- على قفا من يشيل ..
1
يضربون سعود لكنهم في ذات الوقت يدعون له بالشفاء, يتعجبون من تصرفاته وهو ضحيتهم, يكفخه بدر طراقين على خده: فقط لأنهُ قاطعه في الكلام. مجنون. لأنه يقول الحقيقة كما هي.
مجنون: لأنه يصرخ في الشارع, ثورة ثورة حتى النصر وتوت توت عابيروت. يقومون, يتركون محلاتهم حينما يدخل. يتكلم عن اليسوع, عن ثورة الخضر, عن الخميني, عن سقراط, عن سعد زغلول. عن آسيا والدة موسى, فيسرح كبحر مشقوق ويقول: على الرغم من أنني لا ألبس مآي آندر وير إلا أنني نبي يا أغبياء, الحسد كما العري فلسفة, وهل كانوا الأنبياء أنفسهم؟ ألا يسمح لنا نحن الأنبياء بيوم عطلة؟ ألم يطمع كل نبي بأن يكون أفضل من النبي الذي سبقه؟ هل كانوا وحي, أمل أو اعتراف رباني في غاية التهذيب؟ هل كانوا تأويل؟ هل كانوا إسقاط؟ هل كانوا غيرهم؟ هل كانوا مرضى نفسيين مثلي أنا؟ هل كانوا سيحبون طعام مستشفى الأمل؟ هل يملكون معجزاتي؟ ماذا كانوا سيفعلون أمام ثقافة الاستهلاك وعقيدة ضبط الذات وهيجان الأنا الاقتصادي؟ هل يستطيعون منع هستيريا الاستهلاك وبناء حواجز إسمنتية تشغل الميدان المتروك لثقافة الربح وعصابات الكسب المئطور لحالة الانجذاب إلى الربح الجاهز؟ كيف نوقف قوة ديكتاتورية الدعاية والإعلان والعولمة أمام مثابرات الناس البسطاء؟ هو مريض نفسي من الدرجة الثانية: بتقديري. لا شك في ذالك. لكنه ليس بمجنون. نحنُ المجانين. هذا المجتمع مجنون. سعود ليس إلا ضحية رجال الدين: نسفتهُ الخرافات والأحقاد والحوافز الفردوسية, نسفته النشوة الغير اعتيادية في اللاشعور عند من يوقعون صكوك الغفران بعد صلاة الفجر. تبريراً لهذا الهجوم العنيف على علماء الدين الأفاضل: هو ضحية مجتمع بأكمله, هذا الجيل والجيل السابق وكل جيل. سقطوا في التناقض بشكل تعاقبي, علمونا المبادئ الصورية للصبر وللحب وطبقوا علينا الكراهية والعجلة المادية, أساساً: متى آخر مرة تكلمت فيها مع والدك أو والدتك عن الحب والتسامح والرحمة وفعل الخير وكف الأذى عن الطريق وتغسيل المواعين وحلاقة شعر العانة وإعفاء شعر الدبر؟ أليس هكذا يكتب العبقري , النابغة سلمان العودة ومن هم مثله؟ فبوجود هذا الكم الهائل من الشفافية وطالبي الثواب من عند مايسمون بالعامة, لا أستغرب أبعاد مرض سعود النفسي فهو يعترف بذالك بنفسه ولم يحاول أن يعتم على هذا الاعتراف لا إعلامياً ولا ثقافياً ولا محلياً ولا عالمياً ولا رياضياً ولا فيزيائياً, لكنني أستغرب مثابرة الناس في مشاركة رجال الدين والسياسة في هذه اللعبة القذرة حتى صاروا مثلهم, يبرعون في الإقناع وإسفاف الفكر والتلاعب بالعقول و يتسللون بصورة ماهرة إلى سلوك النفس البشرية ويدعون الوعي والثقافة وهم ليسوا إلا إفرازات مأساوية انتهازية لأنظمة خانعة غاشمة متجعدة, يستمدون شبابهم وقوتهم من خطايا البشر وهواجس الانحلال والأمراض النفسية: ما أتفه حالومياتكم!
2
قالوا: تعذبوا الآن, تحملوا السياط والقمع والاضطهاد والسحل والصخور والمشانق والعويل, تحملوا الصياح والماء البارد والنهم القديم والليل الطويل, لهم هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة الغريبة, لهم القصور والدبور والذهب والبترول والشوارع النظيفة والخمور, لنا الجنة في الآخرة يا فئران الحياة الخشبية! خسرنا المعركة لكننا – قطعاً – سنربح الحرب الأخيرة.فتحوا صناديق الوحشة واليأس والصبر وقالوا هيّا, مدوا
أيديكم, وكي تضمنوا التجول في الجنة والجلوس مع من تحب بعيداً عن أعين الهيئة والأهل والجرسون والصحافة وكاميرات الجوال والشيطان والدول الأجنبية : سموا بناتكم مريم, سميها عائشة, سميها فاطمة, سميها زينب, سميها خديجة, ولا تنسى أيها الرجل الكامل: المرأة لا يمكن أن تكون مستقيمة فهي مولودة من ضلع أعوج! وضحوا لنا الأمر, أيها الخطباء والأدباء والتجار والحاصلين على الأوسمة, أو من هم في طريقهم للحصول على أوسمة, واجهوا الواقع, لا, ففي الواقع لا نصيب لنا من الواقع, فالواقع أمر دنيوي بحت, صريح, ليس له علاقة بما يحدث لنا على أرض الجنة المبروكة هذه!
3
أيها المواطنون الأحرار, المقدامين, المتعلمين, الرقيقين: لماذا كل هذا البؤس؟ صفقوا, صفقوا, لا تتخاطبوا همساً, من سيسمعك في هذا المدرج الروماني الثائر؟ صفقوا: بعدد كوابيس الفقراء والمظلومين والتحيات اليومية في يوم العطل الاعتباطية اللا رسمية , بعدد الألم القاسي في أعماق المسجون و العاشق والعامل والطفل والعاطل والحلاق والزبال والراعي والمخبر والجزار والقهوجي والمهرج والسباك, صفقوا بعدد أولاد الحرام والجثث المدفونة بالحظ والإبداع ألذي نراه في أتفه الأشياء من المنشئات الحكومية والقصور ودار الإفتاء وشاليهات الأثرياء والأسواق التجارية والفنادق النبراسية والملتقيات الثقافية المتحدة مع القضية وصولاً للحدائق العامة والمكتبات والمقابر والمتاحف والمسارح والسينمات والأحياء الشعبية وسائقي السيارات والتكاسي والمسابقات الرياضية والحمامات الجوفية والمدارس الرادارية الحديثة, صفقوا للعدل المنتشر بيننا كالبعوض, كالياسمين, كراحة البال, كالهواء النقي الجميل بل العدل هُنا: على قفا من يشيل: كدبابات الاحتلال والفساتين.
leave a comment