جادة رقم خمسة .

- أنا أيضاً أريدُ أن أموت قليلاً .

والآن آنا . أعود لكِ كالكلب المتوجع كي أشكي لكِ وأنبح تحت أقدامكِ . أعودُ لكِ وكل وجع العالم أشعر به متكدس في صدري كقنافذ الأنهار . أعودُ لكِ وأنا أعرف بأنكِ تفرشين أسنانكِ وتستعدين لوضع شفاهكِ فوق شفاه صديقكِ للمرة الأخيرة كي تخلدون للنوم . أعود لكِ وأنا أعرف بأنكِ إن لم يخن الخيال مخيلتي : تستلقين عارية فوق بدنه , نهدكِ على نهده , رأسكِ على صدره , يدكِ أسفل رأسه , عيناه مغلقة في اللحظة ألتي تغفلين فيها بذكرياتنا . أنا وحيداً هنا على الكنبة شائخ بالوحشة والذبول . اصحي ! الآن آنا . دعيه ينام على جانبكِ الأيمن وكلميني .  أعودُ لكِ لا كي أدهشكِ أو أفرحكِ أو أثير شفقتكِ . أعودُ لكِ كي أقول بأن لا شيء تغير . كل أمانيكِ كانوا كذب في كذب . وكل رسائلكِ ألتي حملت بين سطورها حقول من الأمل لي كانت سبب آخر أضيفه لأنكح نفسي عند البانيو بيدي بكل كراهية وسرعة . أعود لكِ كي أخبركِ : سحقاً آنا . سحقاً لكل شيء . سحقاً لهذا القلب التعيس اللقيط الجربان . سحقاً لكل شيء جميل ليس من حقنا . سحقاً للخبز الحافي ألذي نعجنه لغيرنا . سحقاً لظل أشجار الزيتون ألتي نزرعها ويستظل بها الغرباء . سحقاً لكِ . لا بل سحقاً لكلكِ . أنا الولد الدائخ كشكوى المظاليم أعودُ لكِ لأنني بلا أرض وبلا روح وبلا مصباح ينير هذا الطريق . خارج كل المسميات : إنني أشعر بالحزن حد الإدراك بأن كل حواسي الآن أحسهم يتحللون في هيكلي الضعيف المعطل . أنتِ . أيتها الحارة ألتي أعود لها كي أمشي فيها بحثاً عن حائط أسند عليه ظهري أو حفرة أضع فيها ذاتي أو ثقب أطل منه على مستقبل متأخر أو عتبات بيت مئلوف أجلس عليه وأدخن حنيني وتوزاني حتى تجيئين . أنتِ أيتها العطر ألذي أشمه في الممشى وأعرف منه بأنكِ مررت من هُنا وسقطتِ على وجهكِ وتمنيتي يدي تلتقطكِ وذراعي كي تحملكِ وكفي يمسح عن جبينيكِ التراب . آلآن آنا . أعود لكِ كدولاب تعب من محيطه ومحكره ومركز دائرته ومن الأيادي الغريبة والسخة الجلفة التالفة ألتي تدفه . وماذا أخبركِ ؟ أنني أعيش بين الوحول ودعس الأقدام ؟ أنني كلما كبرت كبر هذا الألم المعتاد ألذي يفقدني توزاني ومزاجي وأدبي وتعاملي مع من هم حولي . أنا الولد الأهطل ألذي كلما شعر بالحزن والألم راح يجرح في الآخرين بإعتدال غير عادل . أنا الحيوان البشري ألذي يرتع في صحراء السواد وبياض السهو . أعود لكِ آنا ولا اعرف . لماذا أعود لشخص كان يعاملني كطوابع البريد والشراشف ؟ لماذا أعود لكِ وأنا أعرف بأنكِ مجرد ألم آخر يسكن في غُر روحي ؟ أي مذلة هذه ؟ أريد أن أموت قليلاً . أريدُ أن أخبركِ عن ذالك الشخص اللئيم ألذي أحببتيه في الحياة وأحبكِ هو في الأبدية . أريدُ أن أخبركِ أنني أتجول في الحديقة بحثاً عن بقعة أفض فيها صراخي . وأتجول كالمرضى في هذه المدينة السمجة بحثاً عن نافذة مضيئة أقف عندها لأقول لصاحبها : إهدأ قليلاُ أنا مثلك نهقني الإنتظار  ونهرني الغياب والنزوح.   أريدُ أن أموت قليلاً آنا قبل أن أبقى بلا أصدقاء أو أمهات  وأنا لا يزال في قلبي هذا وجعاً أشرس من الموت وأعند من النرد . كيف أخبركِ وأنا كلما كتبت حرفاً جرجرتني الرياح للصمت والجثث والقبور والكي؟  تصطف الدموع هذه الليلة في عيني وحول عشائي وبين فراغات أسناني المتهالكة وبداخل بطني وعبر أحلامي الناشفة وخلف ملكوت فهمكِ وفهمهم و فهمي . الدموع ألتي تطلع من دمي وتسيل من زفيري وتصعد برقبتي نحو نحر همي . المشنقة ألتي أراها الآن عبر تأففي : أتخيلها ونيسي . أعود لكِ كي أهديكِ مافي يدي .  أهديكِ موتي ألذي في كفي . أهديكِ وحدتي وقضائي وقدري وخوفي . أهديكِ الحزن ألذي سال على أصابعي و الدمع ألذي يحلق كالطيور الجارحة فوق مواجعي . أهديكِ بهجة طفولتي وياسمين قصائدي ومساجين وطني . أهديكِ العشاق  ألذينَّ يحتمون في مخيلتي والوداعات ألتي تلوح من شرفتي و الخيبات ألتي تحني رأسي . أهديكِ ماذا غير موتي ؟ أهديكِ صبري ؟ أهديكِ ماذا ولا شيء غير الموت يركض نحوي ؟ سبحان حزني ألذي لا أعرف متى سيذهب ويولي أو من أين أصلاً يأتي ؟ أسقط و أنهظ , وبطني يلطخ في أرضي , وظهري غافلني ومكث فوق قبري . ماذا أهديكِ غير هذا الموت ألذي في كفي ؟ الآن آنا , تعود الموسيقى إلى أدراجها , والنوارس إلى ميناء الداخلين , وصوتكِ يودعني , ويسقط من تعبي تمردي , وهاهيا , وبدون خجل تسير على خطاكِ , تلك ألتي جعلت لحياتي جذور وفواكهة وعناقيد ليل . أعودُ لكِ  كالجحيم ذو الضفة الواحدة , وكبائع ورد ذبلت سيقان أيامه بخجل . أعود لأحكي لكِ لا كي أستعطفكِ . لأنكِ الشخص الوحيد ألذي أعرف بأنه لن يقيم مقصلة لكلامي , ولن يطيل التفكير والتدقيق والتفحيص في تاريخي العاطفي حتى يصنفني كسواي , لأنني أعرف بأنكِ تقرأيني من دون أي نية لفطام مفرداتي وتصرفاتي . أتوقل على مثانتي وأتحلطم زعفران مضموني : مايتعسني أنكِ الوحيدة ألتي تعرف بأنني. . . . لا أدري . أنتِ أبعد من صوت الأنبياء والصحابة والموتى . وأنا الآن أبكي كالحريم في الحسينيات ومجالس العزاء . خندق من الملح فوق خدي وما من يد تمسح عنه مايمكن مسحه . المكان مظلم . السخريرة المريرة ألتي بداخلي : شلع الحزن شراعها ولم يمنحني الوقت الكافي للبحث عن سواكِ . سأزاحم الموتى لأنني أنا أيضاً أريدُ أن أموت قليلاً .

3 تعليقات

Subscribe to comments with RSS.

  1. حنوو said, on مايو 12, 2010 at 5:58 م

    لأنني أعرف بأنكِ تقرأيني من دون أي نية لفطام مفرداتي وتصرفاتي .

    __
    ناصفني الموت لكي نحيا بجانبهم , ناصفني نكران الضمير لكي نحلم بجانبهم
    فيض دموعي انسكب ..
    تباً لأيام الحنين ..

  2. ياسر said, on مايو 19, 2010 at 7:57 م

    تباً لك ، تأخذ القارئ حتى النفس الاخير بالنص وتتركه يلهث
    أحبك ياوغد

  3. Naba'a said, on يونيو 2, 2010 at 6:55 ص

    و لا أزال اتجرع ألمك حرفاً .

    وأسكّر بخمر حزنك دوماً .

    وانا ايضاً أريد ان اموت قليلاً .


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

Gravatar
WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 26 other followers