جادة رقم خمسة .

- يا مدّد ..

Posted in + سيرك 6 كانون الأول 1962 by حليمْ on يناير 29, 2012

( 1 )

الواقع: هذا الجدل الممقوت المتعارض مع جراحات قلوبنا, المتوافق مع فشلنا الأيديولوجي حيثما رحنا نبرر انغلاق عقولنا وانفتاح الشرفات البعيدة المظلمة المطلة على حدائق موتنا وجيوبنا. هو الآن ذكرى, والذكرى ليست سوى قول الحقيقة بأشد أنواع الكذب صدقاً, عالمنا المفقود المتجسد في وجداننا الإنساني حيثُ تتفشى فيه الفذلكات والآمال ليعطينا فضيحة إيقاعية اسمها التذكر وبعض الأشواق الفائقة الحساسية, الغير كاملة لا في الدُنيا ولا في أخيلة أواخرنا. هو الآن احتقار, والاحتقار: استخدام العنف بأكثر الطرق السلمية ألتي لا تتعارض مع المحبة أو الكراهية كونهُ حالة غريبة جرفها الحزن الحاضر في الأغوار العميقة لذواتنا ورماها على شواطئ وحشتنا, عارية تنشر الرعب والسادية بين أفكارنا العدوانية وأحاسيسنا الطيبة. هو الآن عميق, طليق, في غابة أفكاري وكراهيتي والملل, الحقد: كأنهُ في نزهة, يفرش سجادته الفارسية في حديقة مواجعي العربية, يتربع, يلتهم سندويشاته, الواحدة تلوى الأخرى, ينتهي ثمّ بسرعة, يسيرُ مع أهوائي على وتيرة واحدة, هذا يعني تجانس/ توافق/ تكالب, هذا الأمر يختلف عن اللهو والعبث وتضييع الوقت مع عناصر أقل تجانس وخطورة. إذاً يا أولاد, يا حلوين: هناك واقع, ذكرى, احتقار, حقد. هؤلاء الأربعة, وَقَعَ عليهم الاختيار. إذا كنتم تسمعونني: مبروك. أرجو منكم التوجه إلى الصالة الرئيسية, أو المنصة لاستلام جائزتكم. أرجو منكم الصعود إلى الطوابق المحدّدة لكم. ادخلوا الغرف المخصصة لاستضافتكم. أهلاً وسهلاً. لقد أصبحتم جزء من كياني المنهار. مبروك.

( 2 )

إنها الساعة الرابعة عصراً بتوقيت ساعة هذا البيت الرتيب. لقد شعرت بفاشية ما كتبت منذ قليل. نظرت إليه على أنهُ أكثر أهمية من مقدمة ابن خلدون أو من قول الحقيقة, أعلى من رفاهية المجتمع السويدي. قد يكون هذا الكلام يتسم بالكثير من الغموض والعنجهية اللا أخلاقية, لكنهُ ليس قضية تقديرية كي تشخصه أو ترفضه, لأن المزاج عادة ما يتحكم في النظرة الشمولية لأي إسقاطات فكرية خارجية على عقل الإنسان البسيط المتمزق بين مثاليته الذاتية وتشوهاته النفسية وعوراته اللا إرادية. أتكلم عنك. أعنيك. أحاول أن أكون أقل كلفة وأشد فاعلية في التواصل معك. لا أعرف غير هذه الطريقة الوقحة الممزوجة بالتعالي والغرابة. الوضع يتطلب مني الدفاع عن نفسي قبل التعرض للهجوم والخطر. هذه إحدى علامات النضج والشيخوخة بجانب الفم الفاغر واللعاب السائل. أحمل في محفظتي نقود مزيفة وعملات أصلية فاقدة لقيمتها. الاقتصاد في تدهور, نسبة الملحدين في بريطانيا العظمى مرتفعة جداً, المازوت لا يصل بسهولة إلى أبناء القرية الواحدة, خبز, ملابس شتوية رخيصة, أدوية متوجسة, خيام, مشردين, هتافات, كفاية, توقف عن البحلقة في مؤخرة الطفل, كفاية, يسقط يسقط حكم الزعتر, يسقط يسقط حكم العنتر, يحيا السكر, امرأة شبه كويتية, أمامي على التلفاز, كلامها غير منطقي بصراحة, تعاكس رئيس مجلس الأمة, مالحة, مهدرقة اللهجة, لا أفكر بتبادل التحية معها, التومان الإيراني في الحضيض, الليرة السورية تشعرك بأنك أغنى من بيل جيتس ومايكل جوردن مجتمعين, قطر فيها سفاري, نافورة, أسواق, مسجد وهابي, كنيسة كاثلوكية خالية من القهوة, أين الإنسان وسط  هذا الانفتاح الانبطاحي, كيف تميز بين الاقتصاد القوي المهزوز والاقتصاد النامي الصلب؟ لا تضييع وقتك في البحث عن الإجابة, تخصصك حاسب آلي, كيف بحق الجحيم ستعرف؟ أنا سأخبرك. تخصصي الصفاقة. جواب السؤال الأخير في الحقيقة تحدده قوى الإمبريالية في هذه اللحظة, الجواب النافع المفيد هو: الموسيقى. انظر إلى موسيقى البلد ألذي ترغب في معرفة حالته الاقتصادية, انظر لهم كيف يرقصون, كيف يبتسمون, كيف يقطعون الشوارع, كيف عصافير الكرامة هجرتنا لتحط على أغصان أناملهم, ستعرف عن ماذا أتكلم حين تكتب على السبورة: أنا تافه. يبدو كلامي عدواني, يبدو أن نظرية سيغمون فرويد صحيحة. أنا أكره موسيقى الأوطان المستريحة, وقصائد الشعراء المرتاحين. يرى ” فلوجل” أن كُلاً من السادية و الماسوكية عبارة عن مركب من المواقف والانفعالات, مثل الازدراء والاستحياء واللوم  والتقزز. ماهي الماسوكية يا عيال؟ هي أن تتصنع بأنك تعبث بشعيرات ذقنك أثناء قطعك للطريق ولكنك في الحقيقة عمال تملمص في خياشيم جيوبك المناخيرية لاستخراج بقايا مخاخيطك المطاطية الخضراء ألتي تزعجك. إذا صدقت ما قلته لوهلة من الزمن, للحظة, يسعدني أن أخبرك: أنت عبيط لدرجة الجمال والهلوسة, في الواقع, توجد قصة للبير كامو اسمها ” الغريب” تعرض صورة قاتمة لموقف مسوكي بجانب موقف اللامبالاة ألذي يلعبه بطل هذه الرواية بتقبل وبكل إرادة مستسلمة لجميع المواقف ألتي ينجر إليها حيثُ تدمِر الذات نفسها فتتقبل ما يلحق بها من دمار ألذي تسببت به عوامل خارجية جعلته غير قادر على المحافظة على كيانه أكثر. لا شك أننا نحنُ العرب ممسوكين في وقتنا الحالي مسكه بنت كلب. هذا ما يوافقني عليه ابن خلدون وجان جاك روسو. لن أكتب ما ذكراه بهذا الخصوص وإلا فقدت جزء من ساديتي وماسوكيتي وكلابتي. هذا لا يخدم الموود ألذي ينبثق من فاقتي ويمزق كينونتي الكتابية الآن.عموماَ, فلنعد إلى موضوعنا الأساسي ألذي هو, وبعد قرابة الـ 700 كلمة: لا شيء. كنتُ متفائل بأنني حين أكتب بلا تفاؤل عن اللا شيء سينتهي بي المطاف مع ملايين الأشياء ألتي تدعو على التفاؤل. أفتقر إلى الثبات, المعرفة, القشع, التآمر. قد لا يلام على ذالك المتقلبون مزاجياً, ألذينّ يحولون ذباب الكدر إلى فراشة فلسفية مبنية على أسس جحيمية لا تطاق. الحكومة لا تطاق. عصير الموز حليب بعد مرور أكثر من عشر دقائق على شربك له لا يطاق. شعر العانة حين يختلط بشعر البطن لا يطاق. السواقة في هذا البلد لا تطاق. التوظيف السيئ للمنابر الدينية لا يطاق. العقلية الكروية الميوعة لا تطاق. العرش, الفساد, الرئيس, الأمير, الوزير, الرشاوى, الغفير, الحمير, الشرطي, العسكري, القائد, الضابط, الراقصة, العاهرة, الشيخ, الإمام, الكآبة, الفؤاد, المدرس, الممرض, الشاعر, الابتذال, المدح, الطواف, الهمهمات, النصوص القصيرة, العبودية, كلاب المباحث, نقاط التفتيش, الجينز, الثوب, الغترة, العقال, الفراغ, الهواجس, الشوائب, المبتدأ, الخبر, المرايا, الصور, فيس بوك, تويتر, تمبلر, الرقابة, الضمير, الخوف, الإعلام الجديد, الإعلام القديم, البربرة, الكلام, الخطابات, الضحى, السجن, الظلم, الكاتشيب, الشطة. أنا نفسي لا أطاق. تدب الشيخوخة في أخلاقي والمآسي والذوق القبيح: أستحق الصفع عليهم. يوجد أكثر من 600 مليون كائن إنساني يعيشون في حالة فقر مطلق, يصفعهم هذا العالم الجميل كل يوم حتى الموت والاستشهاد والتحنط, نحن كلنا مشتركون في قتلهم اليومي. لقد تجاوز ظلمنا المدى, يتزايد عدد المرضى, يقل عطاء الأطباء, هناك مريض في الشمال, هناك فقير في الجنوب, أدخلُ في موضوع وأخرج منه بشكل يثير الدوار, هذا من تأثير الحبوب. أعرف. لا أملك الكثير من الوقت, لا أملك حلووول كتلك المواطنة المحلولة, أرقام, أرقام, أهرول, تصطادني الأوهام, موقعي الاجتماعي مثير للفزع, العودة: حلم, الأمل: نحيل, دوائر منفصلة لكن متداخلة, “زحمة يا أبو جمال: هذي رحمة يا ولدي رحمة”, خللٌ في الإيقاع, خلل وتخبط في محاولات الخلاص, تبريرات, تبريرات, علماء الاجتماع يقولون: إنّ الماضي يشكل 70 % من الحاضر, لماذا تركوا لنا 30 % فقط؟ أين العدل؟ كتر خيرهم, كتر خيرهم, لا أحب أن أزيد كلمة على ما قلت, فقد تحدثت ” بدقة ” عما كنت أوحي إليه. أو بما أوحى ألله إليّ. كل ما يمكن أن أضيفه قد يزعج علماء الاجتماع وأبو جمال وألله. لذالك: كتر خيرهم كلهم في النهاية.

- عفاريت.

Posted in + لم أفصح عن شيء بعد ., + سيرك 6 كانون الأول 1962 by حليمْ on يناير 14, 2012

0

ياعصفورة بيضّا .. 

1

في صدركِ: غيمتين. همسكِ: مطر. أشق طريقي في العتمة نحو عنقكِ. لا برد لا حَر. الشمعة ألتي أمامي أشعلت أصابعي وذهبت لقضاء حاجتها. الموقف غريب. هل تحبين أن أتكلم معكِ عن الحب, الغيب, الكآبة. الجنس. افتحي لنا باب. إننا هُنا في هذه الحياة وغيرنا في المشيئة. في الموت. في الاختلاس. بلغنا الدواليب المشتعلة والتماثيل المحطمة والأعاصير المخادعة ومابلغت القصيدة مطلعها: ياللهوّل.

 2

في كل يوم: أشم رائحة عطركِ. أنتِ على الدوام جالسة في صالون مخيلتي. تشاهدين تلفاز نواحي. تسمعين أغنية فقدكِ. كم في جسدي آبار من القرف منكِ. أشربُ من قنينة الحسرة سوبرانو صوتكِ. كم في نهاراتي دار اوبرا من كلماتكِ الأخيرة. كلانا نرتجف من شدة القمع وقت العناق. لن أترككِ. لن أترككِ. الرسائل لا تكفي. لن أترككِ حتى تدركين بأنني أكثر من حقيبة  في يدكِ أو ستيانة قليلة الكلام, مجففة, تطفو كغجري ميت أمام النهر ألذي يشق مدينتكِ. 

3

أنفخُ قرب أفران القواميس حديد اللغات, ألبس أقراط الكتابة, ألعب بالعواطف, أجلسُ على أنفاسي, أختنق, أسعل, أنزف, أحبي, أصل للضجيج وصوتي في يدي, أطوي جناحي, أرمي بنفسي من النافذة, يرتطم جسدي في قطار مقصوف, تخرج روحي من أزرار قميصي, تمر جنازتي في العراء, في البرد, لا أستحق كل هذا البكاء, اقتصدوا فالوضع متأزم. قد أكون حزيناً. قد أكون غبياً. لكن .. كان دمي قليلاً. كان نفاقي قليلاً. كان بكائي قليلاً جداً في هذه الحياة أيضاً.

4

ضعت. أطيرُ في المدينة بنصف جناح. لا سعادة. لا فرح. لا أرق. لا شبق. ياللمتعة. أحط على رماح الوهم الزجاجية. أحط على السياج المسننة. لا دم. لا ألم. لا علم. ياللإبتكار. السماء مغلقة. الأرض مفتوحة. أحاول التحليق لأطول فترة, لأبعد فكرة. يبلعني الظلام, يبلعني الضباب, يبلعني نهرٌ طويل من العهر واللهو والزندقه كلما نزلت لأشرب. لا مستقبل لي مع ألله لأسباب خاصة. سأقوم للصلاة. سأقوم للبكاء. سأقوم لأخلق جنة لن يدخلها أحد غيري. لا تحاربني أيها الشيطان فكل أنبيائي طريدين مثلي. Go now.

5

ذات يوم. آخر الليل. مشيت في الشوارع. حزيناً كطابع بريد محترق, كطير متوفى, كنبي ضال في إحدى صحاري الشرق الأوسط, لم يبتسم لي أحد سواكِ. وهكذا. عرفتُ بأنكِ لستِ كالبقية. في ذالك الليل. وهكذا, وباقتدار: أغمضت عيني كمبردٍ يمشي فوق الأظافر كبهلوان أعمى, كعصفورة تلبس تنورة, كقلعة يلمسها الماء من كل الجهات وقلت: يارب. كيف حطم زلزال شياطينك ضاحية حبنا الملائكي؟ وهكذا؟ معقول؟

6

بقبلة. هكذا يبدأ الصباح. بعدها تضعينني بداخل كيس أسود, ترمينني عند مكب النفايات. تعودين للسرير. تعبثين في هاتفكِ. كم أنتِ مخلصة لذاتكِ. كم أنتِ مخلصة لكوب الشاي. كم أنتِ مخلصة للفرار. لقد جاء العامل. بسرعة, بسرعة أحتاج إلى سجارة. نيكوتين. وجدت الحل: دحرجي العلبة نحوي كما تدحرجكِ رغباتكِ لسواي. كما يدحرجكِ طيشكِ لسواي. كما يدحرجكِ غبائكِ لسواي. لن أزعل. قد تحتاجينني. قد تشعرين بي. قد يتصدر الحب قائمة ضميركِ النائم. قد تعرفين معنى هذه السطور المُهانة يوماً ما. أنا أحبكِ. هذه .. ليست النهاية. عليّ أن أتأكد. كما يقولون.

- على قفا من يشيل ..

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 29, 2011

1

يضربون سعود لكنهم في ذات الوقت يدعون له بالشفاء, يتعجبون من تصرفاته وهو ضحيتهم, يكفخه بدر طراقين على خده: فقط لأنهُ قاطعه في الكلام. مجنون. لأنه يقول الحقيقة كما هي. مجنون: لأنه يصرخ في الشارع, ثورة ثورة حتى النصر وتوت توت عابيروت. يقومون, يتركون محلاتهم حينما يدخل. يتكلم عن اليسوع, عن ثورة الخضر, عن الخميني, عن سقراط, عن سعد زغلول. عن آسيا والدة موسى, فيسرح كبحر مشقوق ويقول: على الرغم من أنني لا ألبس مآي آندر وير إلا أنني نبي يا أغبياء, الحسد كما العري فلسفة, وهل كانوا الأنبياء أنفسهم؟ ألا يسمح لنا نحن الأنبياء بيوم عطلة؟ ألم يطمع كل نبي بأن يكون أفضل من النبي الذي سبقه؟ هل كانوا وحي, أمل أو اعتراف رباني في غاية التهذيب؟ هل كانوا تأويل؟ هل كانوا إسقاط؟ هل كانوا غيرهم؟ هل كانوا مرضى نفسيين مثلي أنا؟ هل كانوا سيحبون طعام مستشفى الأمل؟ هل يملكون معجزاتي؟ ماذا كانوا سيفعلون أمام ثقافة الاستهلاك وعقيدة ضبط الذات وهيجان الأنا الاقتصادي؟ هل يستطيعون منع هستيريا الاستهلاك وبناء حواجز إسمنتية تشغل الميدان المتروك لثقافة الربح وعصابات الكسب المئطور لحالة الانجذاب إلى الربح الجاهز؟ كيف نوقف قوة ديكتاتورية الدعاية والإعلان والعولمة أمام مثابرات الناس البسطاء؟ هو مريض نفسي من الدرجة الثانية: بتقديري. لا شك في ذالك. لكنه ليس بمجنون. نحنُ المجانين. هذا المجتمع مجنون. سعود ليس إلا ضحية رجال الدين: نسفتهُ الخرافات والأحقاد والحوافز الفردوسية, نسفته النشوة الغير اعتيادية في اللاشعور عند من يوقعون صكوك الغفران بعد صلاة الفجر. تبريراً لهذا الهجوم العنيف على علماء الدين الأفاضل: هو ضحية مجتمع بأكمله, هذا الجيل والجيل السابق وكل جيل. سقطوا في التناقض بشكل تعاقبي, علمونا المبادئ الصورية للصبر وللحب وطبقوا علينا الكراهية والعجلة المادية, أساساً: متى آخر مرة تكلمت فيها مع والدك أو والدتك عن الحب والتسامح والرحمة وفعل الخير وكف الأذى عن الطريق وتغسيل المواعين وحلاقة شعر العانة وإعفاء شعر الدبر؟ أليس هكذا يكتب العبقري , النابغة سلمان العودة ومن هم مثله؟ فبوجود هذا الكم الهائل من الشفافية وطالبي الثواب من عند مايسمون بالعامة, لا أستغرب أبعاد مرض سعود النفسي فهو يعترف بذالك بنفسه ولم يحاول أن يعتم على هذا الاعتراف لا إعلامياً ولا ثقافياً ولا محلياً ولا عالمياً ولا رياضياً ولا فيزيائياً, لكنني أستغرب مثابرة الناس في مشاركة رجال الدين والسياسة في هذه اللعبة القذرة حتى صاروا مثلهم, يبرعون في الإقناع وإسفاف الفكر والتلاعب بالعقول و يتسللون بصورة ماهرة إلى سلوك النفس البشرية ويدعون الوعي والثقافة وهم ليسوا إلا إفرازات مأساوية انتهازية لأنظمة خانعة غاشمة متجعدة, يستمدون شبابهم وقوتهم من خطايا البشر وهواجس الانحلال والأمراض النفسية: ما أتفه حالومياتكم!

2 

قالوا: تعذبوا الآن, تحملوا السياط والقمع والاضطهاد والسحل والصخور والمشانق والعويل, تحملوا الصياح والماء البارد والنهم القديم والليل الطويل, لهم هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة الغريبة, لهم القصور والدبور والذهب والبترول والشوارع النظيفة والخمور, لنا الجنة في الآخرة يا فئران الحياة الخشبية! خسرنا المعركة لكننا – قطعاً – سنربح الحرب الأخيرة.فتحوا صناديق الوحشة واليأس والصبر وقالوا هيّا, مدوا أيديكم, وكي تضمنوا التجول في الجنة والجلوس مع من تحب بعيداً عن أعين الهيئة والأهل والجرسون والصحافة وكاميرات الجوال والشيطان والدول الأجنبية : سموا بناتكم مريم, سميها عائشة, سميها فاطمة, سميها زينب, سميها خديجة, ولا تنسى أيها الرجل الكامل: المرأة لا يمكن أن تكون مستقيمة فهي مولودة من ضلع أعوج! وضحوا لنا الأمر, أيها الخطباء والأدباء والتجار والحاصلين على الأوسمة, أو من هم في طريقهم للحصول على أوسمة, واجهوا الواقع, لا, ففي الواقع لا نصيب لنا من الواقع, فالواقع أمر دنيوي بحت, صريح, ليس له علاقة بما يحدث لنا على أرض الجنة المبروكة هذه!  

3 

أيها المواطنون الأحرار, المقدامين, المتعلمين, الرقيقين: لماذا كل هذا البؤس؟ صفقوا, صفقوا, لا تتخاطبوا همساً, من سيسمعك في هذا المدرج الروماني الثائر؟ صفقوا: بعدد كوابيس الفقراء والمظلومين والتحيات اليومية في يوم العطل الاعتباطية اللا رسمية , بعدد الألم القاسي في أعماق المسجون و العاشق والعامل والطفل والعاطل والحلاق والزبال والراعي والمخبر والجزار والقهوجي والمهرج والسباك, صفقوا بعدد أولاد الحرام والجثث المدفونة بالحظ والإبداع ألذي نراه في أتفه الأشياء من المنشئات الحكومية والقصور ودار الإفتاء وشاليهات الأثرياء والأسواق التجارية والفنادق النبراسية والملتقيات الثقافية المتحدة مع القضية وصولاً للحدائق العامة والمكتبات والمقابر والمتاحف والمسارح والسينمات والأحياء الشعبية وسائقي السيارات والتكاسي والمسابقات الرياضية والحمامات الجوفية والمدارس الرادارية الحديثة, صفقوا للعدل المنتشر بيننا كالبعوض, كالياسمين, كراحة البال, كالهواء النقي الجميل بل العدل هُنا: على قفا من يشيل: كدبابات الاحتلال والفساتين.

- بقولو صغير بلدي *

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 20, 2011

- مضى أكثر من 150 يوم.

- لا نستطيع أن نعيش في عزلة عن الجماهير.

- لا نستطيع ممارسة الانتقاد ضد الآخر من دون ممارسة الانتقاد الذاتي, بل والتشديد كثيراً على اخطائنا. 

- لا نستطيع أن نبني مفاهيمنا السلبية للنضال ضد شيء ما, علينا اقامة نضالنا الإيجابي ضد كل الأشياء السلبية!

- لا نستطيع أن ننتظر مكتوفي الأيدي وأن تمنعنا الشروط الموضوعية والذاتية المتحققة بفعل الآلية المعقدة لنضال الطبقات على منعنا من محاولة اسقاط السُلطة بين يدي الشعب كما تسقط الثمرة اليانعة.

- لا نستطيع أن نتجاهل المعطيات الضرورية ألتي ستساعدنا وتقودنا إلى طريق النصر. أن نعرف كيف نتراجع ومتى نتقدم إلى مدى أبعد, فالهدف الجوهري هو استغلال أوقات التقهقر الاجتماعي والسير نحو أوضاع جديدة أفضل.

- لا نستطيع أن نتقدم في كفاحنا دون الاعتراف بكمية المفاهيم التأخرية الرجعية الهائلة ألتي أدخلتها القوة الحاكمة في أذهاننا. لذالك يجب علينا أن نروي نضالنا الغريزي بكافة الاطروحات التقدمية التاريخية المتاحة لنا اليوم.

- سوف يصفعنا الواقع بقوة إذا لم يعي الشعب ضرورة التغيير وظل هكذا يفتقر إلى اليقين بامكانياته الذاتية.

- مهمتنا أن نخلق هذه الامكانية في أرض هذا الوطن كله!

- معظم حالات الثورة تتميّز بفروقاتها وليس بنقاط تشابهها.

- قال المؤرخ الفرنسي ميشيليه في القرن التاسع عشر عن فرنسا عام 1789 : فِي ذالك اليوم كان كل شيء ممكناً, فالمستقبل كان حاضراً, هذا يعني أنّ الزمن لم يعد موجوداً, وبات كل شيء كوميض الأزليّة!

- ألذين يتحدّثون عن زوال الثورات لا يدركون أنّ ” الثورات هي أشبه بالهجرة إلى المستقبل حيث توجد أرض الميعاد في أذهان الذين يؤمنون بها “

- راتب موظف بالمرتبة السادسة عام 1402 : 4000 ريال. راتب موظف بالمرتبة السادسة عام 1432 : 6065 ريال , أي انّ نسبة الفرق بين راتب عام 1402 و 1432 = 66 % , مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع متوسط الأسعار بنسبة 765. جميل جداً, إذا هذه المعلومات دقيقة وصحيحة لا يسعني إلا أن أقول : بسم الله الرحمن الرحيم, أيها المواطن السعودي المغوار, المختلف, العبقري, الحالة الخاصة, الملائكي : ادفع بطائفيتك وخرافات شيوخك وولائك وعبوديتك ثمن الكفرات والهايلوكس أبو غمارة والحليب والفجل وكرتون الأندومي والحفاظات والكاندومات وحبوب منع الحمل والهم والبطاطا و الطماطا والسمك وفواتير الكهرباء.لا شيء قد ارتفع حقاً منذُ ذالك العام حتى الآن سوى جهلك ومخاوفك وفضائحك وأحقادك!

- أيها الظلم ألذي يعم العالم : كان من الأجدر بك أن تنظف الأرصفة قبل رحيلك وتزهر الغابات وتقتل الوحشة وتنحر التشفي وتوفر الحليب والملابس والكتب لكل طفل. لكنك وغد. وغد. كم أتمنى أن تصطدم قصبة ساقك في زاوية الباب!

- أكاد أنتهي من تلخيص كتاب إميل سيوران ” يوتوبيا وتاريخ ” , إلا أنني عالق كالكستناء المشوية في شتاء تداخل أفكارنا والستائر الصيفية السميكة ألتي تفصل بين شبابيك اللغة وشارع المعنى. غرقت في العتمة. سأتحدث عنه عندما انتهي منه. الحرب مستمرة. إلى الكلام!

- مصر ..
” غشيم يقتل فقير ليرضي حقير بتأييد من غبي! “

- أخيراً
” وبعد الثمانين تأتي ثمانون أخرى
وأرقد في اليوم عشرين ساعة
لأرتاح مما خلقت وممن خلقت
ومن دولة ستعمر فيّ وتركع : سمعاً وطاعة
وتنهار بعدي إذا نمت أكثر مما أنام.
ولاشيء بعدي
فمن يعبدون ؟
وكيف تعيشون بعدي؟
ومن سوف ينقذكم من زمان الجنون؟
ومن سوف يحرس أبوابكم من جراد المطر
ومن سوف يحمل ريح الشمال إليكم
ويحميكم من ذئاب الشجر؟
ومن تعبدون
لمن ترفعون تراتيلكم ولمن تسجدون ،
وتتلون آيات من ؟ “

- رسالة دستوفسكي لأخيه بعد حكم الإعدام.

Posted in + لم أفصح عن شيء بعد ., أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 14, 2011

أخي الحبيب وصديقي: حصل ماحصل ،وحكم علي بالسجن أربع سنوات وبعدها أعود لألتحق بالجيش ..في هذا اليوم نادونا وقرأوا علينا حكم الإعدام .ثم أمرونا أن نلثم الصليب، ونزعوا ملابسنا وألبسونا قمصاناً بيض .وربطوا ثلاثة منا الى عامود ليطلقوا النار عليهم .وكان دوري السادس وكان النداء على ثلاثة كل مرة ..لم يكن عندها باقياً لي من الحياة سوى دقيقة، وقد ذكرتك ايها الاخ أنت، وأولادك، وعرفت مقدار حبي لك، وقد تمكنت من أن أقبل”بلاتسياف ودوروف”..وكانا واقفين بجانبي وودعتهما .وأخيراً نفخ البوق وأُعلن الأمر بالرجوع ،وحل الذين كانوا قد ربطوا بالعامود.وقرأ علينا أمر الأمبراطور بمنحنا حياتنا والحكم علينا بالسجن..

وقد أبلغت أنهم ياأخي الحبيب سيرسلونني اليوم أو غداً. وقد طلبت رؤيتك فأخبروني أن هذا محال وأن كل مايستطيعونه أن يسمحوا لي بالكتابة إليك. وأنا أخشى أن يكون قد بلغك الحكم علينا بالإعدام ، فقد نظرت من نافذة العربة التي حملتنا الى ساحة الإعدام ورأيت في الطريق جمهوراً كبيراً وخشيت أن يكون من رأوني قد أبلغوك وآلموك بذلك . ولكن الآن يمكن أن تهنأ بشأني ياأخي .

لاتظن أن الحكم قد هدني أو غم علي.. فالحياة في كل مكان هي الحياة. هي بداخلنا وليست فيما هو خارج عنا…وسيكون قريباً مني أناس وسأكون رجلاً بينهم،وأبقى كذلك للأبد، ولن يهن قلبي أوتفشل عزيمتي أمام المصائب.وهذا في إعتقادي هو الحياة أو الواجب في الحياة. وقد حققت ذلك وصار هذا الخاطر جزءاً من لحمي ودمي .أجل فهذا الرأس الذي كان يبتكر ويعيش سمو الحياة الفنية والذي حقق أسمى الحاجات الروحية ،هذا الرأس قد قطع من عاتقي ولم يبق عندي سوى الذكريات والخيالات التي أخترعها ولكنها لم تتجسم في ذاتي بعد ،وأعرف أنها ستمزقني .ولكن مايزال باقياً لي قلبي وهذا اللحم والدم الذي مايزال قادراً على الحب والألم والرغبة.ولاتنس أن هذه هي الحياة.أجل.مازلت أرى الشمس ..

قبل زوجتك وأولادك وأذكرني عندهم كيلا ينسوني فعلنا نلتقي يوماً ما.أخي أوصيك بالعناية بنفسك وأولادك وأن تعيش في هدوء ويقظة .وأن تفكر في مستقبل أولادك. عش عيشاً إيجابياً إني ماشعرت قط بوفرة الحياة الروحية في شخصي كما أشعر بها الآن وأنا مريض .ولكني لاأبالي بذلك .أخي لقد كابدت من الحياة الشيء الكثير حتى مايكاد شيء يخيفني الآن في العالم فليكن ماهو كائن وسأكتب اليك في أول فرصة وأرجو أن تضغط على أيدي الجميع وتصافح جميع أولئك الذين لم ينسوني. وأكتب خطابا الى إخوتي وأخواتي وأفعل ذلك باسمي وأدعوا لهم بالسعادة .

ربما نلتقي ياأخي في المستقبل .لاتهمل العناية بنفسك بل عش وأبق حياً فعلنا نتعانق يوماً ونذكر شبابنا ذلك الوقت الذهبي ،ذلك الشباب وتلك الآمال التي أمزقها الآن من قلبي ودمي كي أدفنها هل يمكن أن أتناول القلم بيدي مرة أخرى؟أظن أني سأعود للكتابة بعد هذه السنوات الأربع وسأرسل لك كل شيء أكتبه إذا أنا كتبت .وارباه ..كم من خيالات عشت فيها , أخترعتها ستموت وتنطفىء في دماغي ،أوتتمزق وتسير في دمي كالسهم أجل .اذا لم يسمح لي بالكتابة فإني سأموت .وخير لي من ذلك أن أسجن خمس عشرعاماً ويكون في يدي قلم .أكتب لي كثيراً وأكتب بالتفصيل والإسهاب وأذكر لي حقائق كثيرة .وفي كل خطاب أكتب لي عن الأسرة مع التفصيل ومع ذكر ألأشياء التافهه .ولاتنس هذا، الخطابات تعيد لي الرجاء والحياة.آه لو تعرف كم أحيتني وأتعستني رسائلك التي وصلتني وأنا في القلعة.. والشهرين والنصف الماضيه حين منعوني من كتابة الرسائل أوتسلمها من أشق ما كابدته وقد كنت مريضاً.

ولما أهملت أنت إرسال النقود إلي ساورني القلق من أجلك لأني فهمت من عدم إرسالك للنقود إنك في حاجة شديدة .قبل الأطفال مرة أخرى ,فوجوههم الصغيرة لاتغيب عن بالي. ولاتحزن لأجلي وثق إني لم أهن والرجاء لم يهجرني، وبعد أربع سنوات سأعود وأعانقك لقد كنت في قبضة الموت ثلاثة أرباع الساعة وعشت هذه المدة بهذا الخاطر. وبلغت آخر لحظة من الحياة وهاأنا ذا حي مرة أخرى .. وإذا كان أحد يتذكرني بسوء ،أوإذا كنت قد تشاجرت مع أحد أوأسأت إليه فأخبره إذا لقيته بأن ينسى الإساءة وليس في نفسي مرارة أونقمة على أحد ،وأود أن أعانق في هذه اللحظة كل واحد من أصدقائي السالفين ،وقد شعرت اليوم بالراحة وأنا أودع أحبابي الأعزاء قبل الموت، وخطر ببالي في هذا الوقت أن خبر إعدامي سيقتلك ولكن إسترح الآن فأنا مازلت حياً .

أسأل ماذا تفعل،وبماذا فكرت اليوم ،وهل عرفت شيئاً عنا ، وماهو مقدار البرد اليوم .آه ماأشوقني الى أن يصل خطابي هذا اليك بسرعة.إذا تأخر فاني سأبق أربع أشهر بدون خطاب منك.وقد رأيت الرسائل التي أرسلت فيها النقود لي منذ شهرين وكان عنواني مكتوباً عليها بخطك سررت برؤية الخط.عندما التفت الى الماضي وأتذكر مقدار الوقت الذي ضاع عبثاً وكم منه ضاع في الأوهام والكسل والجهل بالعيش،وكيف أني لم أقدرالوقت حق قدره،وكيف جنيت على قلبي وذهني ,أحس أن قلبي يسيل دماً.أجل ان الحياة عطية وهي سعادة وكان من الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصراً طويلاً من السعادة.

والآن حياتي تتغير وأنا أولد من جديد في شكل آخر .أخي .أقسم لك أني لن أفقد الأمل وسأصون روحي وقلبي في الطهارة ،وميلادي الجديد سيكون الى حال أحسن من حالي الماضية .وهذا كل رجائي وعزائي.ان حياة السجن قد قتلت في جسمي مطالب اللحم التي لم تكن كلها طاهرة، ولم أكن قبل هذه الحياة أعنى بنفسي كثيراً أما الآن فالحرمان لاقيمة له عندي ولذلك لاتخشى علي من المشاق المادية وتحسب أنها ستقتلني ،لن يحدث هذا..

وداعاً.وداعاً يا أخي .إني أعانقك بقوة وأقبلك بحرارة ،تذكرني بلا ألم في قلبك، فأرجو أن لاتحزن..وسأخبرك في خطابي الآتي بما يتم لي ..وتذكر عندئذٍ ما أخبرتك به:لاتعش جزافاً دائماً دبر حياتك ورتب حظك وتفكر في أولادك.آه لو أراك اني أنزع نفسي الآن من كل شيء أحببته.وهذا النزاع مؤلم .ومن الموجع أن أقطع نفسي نصفين وأشق قلبي شقين ..وداعاً ولكني سأراك، أنا واعٍ فلاتتغير وأحبني ولاتدع ذاكرتك تبرد..وذكراك ستكون أحسن شيء في حياتي …ومرة أخرى وداعاً .وداعاً لكم جميعاً..

لما قبض علي أخذوا مني كتباً عدة ولم يكن بينها سوى كتابين ممنوع تداولهما.فهل لك أن تطلب الباقي لنفسك ،ولكن لي طلباً وهو أن أحد الكتب يحتوي على مؤلفات فاليرمان مايكوف.وهو مقالاته الأنتقادية .وهذه النسخة كنت أخذتها من أوجينيا بتروفنا .وكانت تعدها كنزاً وقد أقرضتها لي ،ولما قبض علي طلبت من الشرطي أن يرد اليها الكتاب وأعطيته عنوانها .ولاأعرف إذا كان قد رده .أسأل عن ذلك ،لأني لاأحب أن أحرمها هذه الذكرى وأخيراً وداعاً

على الهامش: لاأعرف هل أمشي أم أركب فرساً.وأظن أنهم سيركبون الخيول.ربما.قبل يد أميلي فيدروفنا وقبل الصغار وأذكرني عند كريافسكي .وأكتب لي عنك..

قلعة بطرسبورج في 22 ديسمبر 1849
أخوك ف.دستوفسكي .


خطاب على قبر كارل ماركس .

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 13, 2011

توفي ماركس يوم 14 مارس 1883. وبعد ثلاثة أيام ألقى انجلز هذا الخطاب باللغة الانجليزية على ضريح ماركس بمقبرة هايغايت بلندن حيث دفن هناك. تكلم انجلز بالانجليزية وظهر الخطاب في صحيفة ألمانية في ترجمة ألمانية ثم نشر الخطاب بالانجليزية مترجما عن الألمانية.

في الرابع عشر من مارس وعلى الساعة الثالثة إلا ربع ظهرا توقف أعظم مفكر عن التفكير. لقد ترك وحيدا لدقيقتين بالكاد وحينما عدنا وجدناه جالسا في كرسيه نائما في هدوء ولكن إلى الأبد.

إنها خسارة لا تـقاس ضربت كلا من الطبقة العاملة المناضلة في أوروبا وأمريكا وعلم التاريخ بوفاة هذا الرجل. إن الثغرة التي نجمت عن رحيل هذه الروح العظيمة ستبرز بجلاء قريبا.

فمثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري: الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الايديولوجيا وهي أن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الإهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين الخ… وبالتالي فإن إنتاج الوسائل المادية الضرورية للعيش ومن ثمة درجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف شعب ما أو في حقبة ما تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم الشرعية والفن وحتى الأفكار حول الدين التي يختص بها هذا الشعب أو ذاك وعلى ضوئها يجب أن تفسر وليس العكس كما هو الحال.

ولكن ليس هذا كل ما في الأمر. فقد اكتشف ماركس أيضا القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج. إن اكتشاف فائض القيمة سلط الضوء فجأة على المشكلة محاولا حل ما عجزت عن حله جميع البحوثات السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين.

إن هذين الاكتشافين لأمر كاف في حياة شخص. وسيكون سعيدا ذاك الذي يتسنى له تحقيق ولو إحدى هذين الاكتشافين.

علاوة على ذلك فإنه وفي كل حقل بحث فيه ماركس – ولئن بحث في حقول عديدة ولم يكن ذلك بسطحية في أي منها – حتى في حقل الرياضيات قام ماركس باكتشافات مستقلة.

هكذا كان ماركس رجل علم. إلا أن ذلك لم يكن يمثل ولو نصف هذا الرجل. لقد كان العلم بالنسبة لماركس حركية -دينامية- تاريخية وقوة ثورية. ومهما كان سروره عظيما بأي اكتشاف جديد في العلوم النظرية ولئن كانت تطبيقاتها مستحيلة البلوغ فإنه كان يعيش سرورا من نوع آخر حين يشمل الاكتشاف الجديد تغييرا ثوريا مباشرا في الصناعة وفي التطور التاريخي عموما. فعلى سبيل المثال كان متابعا عن قرب لتطور الاكتشافات المحققة في مجال الكهرباء وآخرها تلك لمارسال دوبري Marcel Deprez.

كان ماركس قبل كل شيء ثوريا. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الراسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه وكذلك المساهمة في تحرير البروليتاريا الحديثة الذي كان أول من جعلها تعي بموقعها وحاجاتها وتعي بشروط تحررها. لقد كان الكفاح أمرا أساسيا بالنسبة له فكافح بحب وعزم ونجاح لا ينافسه فيهم إلا قليلون. وكان عمله في الجريدة “الرينانية الأولى” 1842 وفي “إلى الأمام” الباريسية 1844 Vorwarts- وفي جريدة “البروكسالي” Brussler الألمانية 1847 وفي “الرينانية الجديدة” 1848-1849. وفي “التريبيون” النيويوركيةNew York Tribune 1852-1861. وبالاضافة إلى ذلك إشرافه على نشريات نضالية وعمله في منظمات في باريس وبروكسال ولندن وأخيرا توج كل ذلك بتكوينه جمعية الرجال العاملين العالمية. كان ذلك انجازا بإمكان محققه أن يفخر به حتى ولو لم ينجز شيئا غيره.

وكنتيجة لذلك كان ماركس أفضل المكروهين وأكثر المشهَّرين بهم في عصره فقامت حكومات مطلقة وجمهورية على حد السواء بترحيله عن أراضيها وتنافس البرجوازيون من المحافظين أو من أقصى الديمقراطيين بالتشهير والثـلب لشخصه. لقد أزاحوا ماركس كما تزاح خيوط العنكبوت. لكن لم يعر ماركس اهتمامه بذلك ولم يردّ إلا عندما دعته الضرورة إلى الرد. ومات محبوبا ممجدا ونعته الملايين من العمال الثوريين من مناجم سيبيريا إلى كاليفورنيا وفي كافة أنحاء أوروبا وأمريكا.

ولمن المهم القول أنه برغم خصومه العديدين فبالكاد كان له عدو شخصي واحد.

سيخلد إسمه على مر العصور وكذلك أعماله !

 

خطاب ألقاه انجلز  في 17 مارس 1883 في مقبرة هاي غايت Highgate Cemetery في لندن

برونوباور: « المسألة اليهودية » كارل ماركس في خريف عام 1843.

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 12, 2011

يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون ؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي.

يجيبهم برونو باور (1): ليس ثمة من هو متحرر سياسيا في ألمانيا. نحن أنفسنا لسنا أحرارا، فكيف نستطيع تحريركم ؟ أنتم اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أن تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، و كبشر من أجل الانعتاق البشري. وألا تشعروا أن النوع الخاص لاضطهادكم و لذُلكم استثناء عن القاعدة وإنما هو تأكيد لها.

أم ترى أن اليهود يطالبون بالمساواة مع أبناء الرعية المسيحيين ؟ إنهم يعترفون بذلك بشرعية الدولة المسيحية و طبقا لذلك بسلطة الاستعباد العام. لماذا يستهجنون نيرهم الخاص إذا كان النير العام يعجبهم ! لماذا ينبغي للألماني أن يهتم بتحرِر اليهود إذا كان اليهودي لا يهتم بتحرير الألماني ؟

لا تعرف الدولة المسيحية إلا الامتيازات، و اليهودي يملك فيها امتياز كونه يهوديا. وله كيهودي حقوق ليست للمسيحيين. فلماذا يطالب بحقوق ليست له، يتمتع بها المسيحيون ؟

حين يريد اليهودي التحرر من الدولة المسيحية فإنه يطاب أن تتخلى الدولة المسيحية عن حكمها الديني المسبق. فهل يتخلى هو اليهودي عن حكمــه الديني المسبق ؟ أفيكون من حقه أن يطلب من غيره أن يتخلى عن الدين ؟

لا تستطيع الدولة المسيحية تبعا لجوهره أن تعتق اليهودي، ولكن لا يستطيع اليهودي أيضا من حيث جوهره أن ينعتق، كما يضيف باور. طالما بقيت الدولة مسيحية واليهودي يهوديا فإِن كليهما على السواء غير قادر على منح التحرر أو تلقيه.

لا تستطيع الدولة المسيحية أن تسلك إزاء اليهود إلا بطريقة الدولة المسيحية، هذا يعني بطريقة منح الامتيازات، أيِ بأن تسمح بتمييز اليهود عن بقية أبناء الرعية، ولكنها تجعله يشعر بضغط المجالات الأخرى المتميزة، وبصورة أشد حين يكون اليهودي في تعارض ديني مع الدين السائد. ولكن اليهودي أيضا لا يستطيع أن يقف من الدولة إلا موقفا يهوديا، هذا يعني أنه يقف من الدولة موقف الغريب، بأن يضع قوميته الوهمية مقابل القومية الحقيقية ويضع قانونه المتوهم مقابل القانون الحقيقي بأن يظن أن من حقه أن يتمايز عن البشرية، بأن يحجم مبدئيا عن المشاركة في الحركة التاريخية، بأن يطمح في مستقبل لا يجمعه بالمستقبل العام. للإنسان شيء، بأن يعتبر نفسه عضوا في الشعب اليهودي ويعتبر الشعب اليهودي الشعب المختار.

إذن فباسم أي شيء تطالبون أيها اليهود بالإنعتاق ؟ أمن أجل دينكم ؟ إنه الدين الأكثر عداء لدين الدولة. كمواطنين ؟ ليس في ألمانيا مواطنون. كبشر ؟ لستم بشرا، شأنكم شأن من توجهون إليهم نداءكم.

طرح باور مسألة تحرر اليهود طرحا جديدا بعد أن وجه الانتقاد إلى الطروحات والحلول التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت. إنه يتساءل: ما هي طبيعة اليهودي الذي يريد التحرر والدولة المسيحية التي يفترض أن تحرره ؟ وهو يجيب من خلال نقد للديانة اليهودية، فهو يحلل التناقض بين اليهودية والمسيحية ويوضح جوهر الدولة المسيحية، وكل هذا بشجاعة ووضوح وظرافة وعمق، بأسلوب يتصف أيضا بالدقة والمتانهَ والحيوية.

كينا يحل باور إذن المسألة اليهودية ؟ وما هي النتيجة ؟ إن صياغة مسألة ما تتضمن حلها. ونقد المسألة اليهودية هو جواب عن المسألة اليهودية. الخلاصة هي ما يلي:

علينا أن نحرر أنفسنا قبل أن نكون قادرين على تحرير الآخرين.

أكثر أشكال التناقض بين اليهودي والمسيحي صلابة هو التناقض الديني. كيف يحل المرء تناقضا ما ؟ بجعله مستحيلا. وكيف يجعل المرء تناقضا دينيا مستحيلا ؟ من خلال إلغاء الدين. وحالما يرى كل من اليهودي والمسيحي دين الآخر مجرد مراحل تطور مختلفة للفكر الإنساني ويتعرفا فيهما على جلدي أفعى سلخهما التاريخ و على الإنسان الذي يمثل الأفعى التي كانت في هذين الجلدين، فلن تكون العلاقة بينهما علاقة دينية وإنما علاقة علمية نقدية وحسب، علاقة إنسانية. يكون العلم وحدتها. أما التناقضات في العلم فيحلها العلم نفسه.

يواجه اليهودي الألماني خاصة انعدام التحرر السياسي بوجه عام ومسيحية الدولة الواضحة. إلا أن المسألة اليهودية تكتسب في رأي باور أهمية عامة مستقلة عن الظروف الألمانية. إنها مسألة علاقة الدين بالدولة والتناقض بين التحيز الديني والتحرر السياسي. يطرح التحرر من الدين كشرط أمام اليهودي الذي يريد أن يتحرر سياسيا والدولة التي ينبغي أن تحرره وتكون نفسها متحررة،على السواء.

يقول المرء حسنا، ويقولها اليهودي نفسه أيضا، إذ لا ينبغي لليهودي أن يحرر كيهودي، وليس لأنه يهودي، وليس لأنه يملك مبدأ إنسانيا عاما مصيبا للأخلاق، بل أكثر من ذلك سيتراجع اليهودي خلفالمواطن و يكون مواطن رغم كونه يهوديا وينبغي أن يبقى يهودي. هذا يعني أنه يهودي ويبقى يهوديرغم كونه مواطن و يعيش في ظروف إنسانية عامة: إن طبيعته اليهودية المحدودة تنتصر دائما و أخيرا على واجباته الإنسانية والسياسية. يبقى الحكم المسبق رغم ذلك بطغيان المبادئ العامة عليها. ولكنها حين تبقى فإنها تطغى على كل ما عداها”.

“لا يستطيع اليهودي أن يبقى يهوديا في الحياة العامة للدولة إلا سفسطائيا فقط، ظاهريا. وإذا أراد أن يبقى يهوديا سيصبح المظهر المجرد وجوده الجوهري وينتصر، هذا يعني أن حياته في الدولة تصبح مجرد مظهر أو استثناء مؤقتا للجوهر والقاعدة. (“قدرة يهود ومسيحيي اليوم على التحرر” الملزمة الحادية والعشرون، ص 57)

لنسمع من ناحية أخرى كيفا يطرح باور مهمة الدولة.

«  القد منحتنا فرنسا مؤخرا (مناقشات مجلس النواب في 26 ديسمبر 1840) فيما يتعلق بالمسألة اليهودية – كما تفعل في جميع المسائل السياسية الأخرى على الدوام– مشهد حياة حرة، ولكنها تخرق حريتها في القانون، و هكذا تجعل منه أيضا مظهرا، ومن جهة أخرى تنقض قانونها الحر من خلال الفعل. » (المسألة اليهودية، ص 57).

« لم تصبح الحرية العامة في فرنسا قانونا بعد، ولم تحل المسألة اليهودية أيضا، لأن الحرية القانونية – التي يتساوى فيها جميع المواطنين – في الحياة التي تسيطر عليها وتقسمها الامتيازات الدينية تصبح محددة، وانعدام حرية الحياة هذا ينعكس في القانون الذي يرغم بدور على الموافقة على تقسيم المواطنين الأحرار إلى مضطَهَدين ومضطهِدين » (ص 65).

و إذن فمتى ستحل المسألة اليهودية بالنسبة لفرنسا ؟

« يجب أن يكون اليهودي على سبيل المثال قد كف عن يكون يهوديا، حين لا يدع قانونه يعيقه عن اداء واجباته إزاء الدولة وشركائه في المواطنة، أي أن يذهب مثلا في يوم السبت إلى مجلس النواب ويشارك في المناقشات العامة. يجب إلغاء كل الامتيازات الدينية بشكل عام بما في ذلك أيضا احتكار كنيسة ذات امتيازات خاصة، وإذا كان البعض أو العديدون أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فينبغي أن يترك ذلك لهم كمسألة شخصية بحتة. » (ص 65)

« لا يعود ثمة دين حين لا يعود ثمة دين يتمتع بالامتيازات. خذوا الدين قوته المميزة له فلا يعود له وجود. » (ص 66)

«  حسنا، فكما رأى السيد مارتان دي نور في اقتراح عدم ذكر يوم الأحد في القانون طلب الإعلان بأن المسيحية كفت عن الوجود، فإِنه بنفس الحق (و هذا الحق مبرر تماما) سيكون الإعلان بأن قانون السبت لليهود لم يعد ملزما، سيكون إعلان حل اليهودية. (ص 71)

و هكذا يطلب باور أن يتخلى اليهودي عن يهوديته و الإنسان بوجه عام عن الدين من جهة، ليتحرر كمواطن. ومن جهة أخرى يعتبر الإلغاء السياسي للدين كتبعة لذلك إلغاء للدين بشكل عام. إن الدولة التي تشترط الدين لم تصبح بعد دولة حقيقية، دولة واقعية.

« إلا أن التصور الديني يعطي للدولة ضمانات. ولكن أي دولة ؟ أي نوع من الدول ؟  » (ص 97)

في هذه النقطة يظهر المفهوم أحادي الجانب للمسألة اليهودية.

لا يكفي بأية حال من الأحوال أن نبحث: من الذي سيقوم بالتحرِر ومن الذي سيحرر ؟ فعلى النقد أن يقوم بشيء ثالث. عليه أن يسأل: بأي نوع من التحرر يتعلق الامر ؟ أي شروط تقع في صلب التحرر المطلوب ؟ لقد كان نقد التحرر السياسي نفسه هو النقد النهائي للمسألة اليهودية و ذوبانها الحقيقي في “مسألة العصر العامة.”

و لأن باور لم يرفع المسألة إلى هذا المستوى فإنه يسقط في التناقضات. إنه يضع شروطا لا تنتمي إلى طبيعة التحرر السياسي نفسه. وهو يطرح أسئلة لا تدخل ضمن واجباته، ويحل واجبات تترك سؤاله غير محلول. حين يقول باور عن مناهضي تحرر اليهود: « كان خطؤهم فقط هو أنهم افترضوا أن الدولة المسيحية هي الدولة الحقيقية الوحيدة، ولم يخضعوها للنقد الذي نظروا به إلى اليهودية » (ص3)، فإننا نرى خطأ باور في أنه انتقد “الدولة المسيحية” وحدهوليس
الدولة بوجه عام، وأنه لم يتناول بالبحث العلاقة بين التحرر السياسي والتَحرر الإنساني ويضع بذلك شروطا لا يمكن تفسيرها إلا بخلط غير نقدي بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني العام. حين يسأل باور اليهود: هل لديكم الحق وأنتم في موقفكم أن تطلبوا التحرر السياسي ؟ فإِننا نطرح السؤال المعاكس: هل لموقف التحرر السياسي الحق في أن يطلب من اليهود التخلي عن اليهودية ومن الناس التخلي عن الدين بوجه عام ؟

تكتسب المسألة اليهودية مفهوما متغيرا حسب الدولة التي يوجد اليهودي فيها. ففي ألمانيا حيث لا توجد دولة سياسية، أي لا توجد الدولة كدولة، فإن المسألة اليهودية هي مسألة لاهوتية محضة. يجد اليهودي نفسه في تناقض دينيمع الدولة التي تقر بأن المسيحية تشكل أساسها. هذه الدولة هي دولة لاهوتية محترفة. و النقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي وللاهوت اليهودي. ولكننا لا زلنا بهذا نتحرك في اللاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقدي.

المسألة اليهودية في فرنسا، الدولة الدستورية، هي مسألة النظام الدستوري، مسألة نصف التحرر السياسي. لأنمظهر الدولة الدينية هنا باق، وإن كان في صيغة متناقضة تفتقر إلى الدلالة، في صيغة دين الأغلبية، فإن علاقة اليهودي بالدولة تتخذ مظهر تناقض ديني لاهوتي.

تفقد المسالة اليهودية معناها اللاهوتي و تصبح مسألة دنيوية حقا في الدول الأميركية الشمالية الحرة فقط، في قسم منها على الأقل. حيثما توجد الدولة السياسية في بنائها الكامل فقط يمكن أن تبرز علاقة الِيهودي ولإنسان المتدين بوجه عام، إزاء الدولة السياسية، أي علاقة الدين بالدولة، في خصوصيتها ونقائها. ويكف نقد هذه العلاقة أن يكون نقدا لاهوتيا حالما تكف الدولة عن أن تقف موقفا لاهوتيا من الدين، أي سياسي. عندئذ يصبح النقد نقد الدولة السياسية. عند هذه النقطة حيث تكف المسألة أن تكون لاهوتية يكف نقد باور أن يكون نقديا.

« لا يوجد في الولايات المتحدة لا دين للدولة ولا دين رسمي للأغلبية، ولا أفضلية عبادة على غيرها. وليس للدولة شأن بأي من العبادات. » (ماري، أو الرق في الولايات المتحدة الخ، ج. دي بومون، باريس 1835، ص 214)

نعم، توجد بعض الولايات الأميركية حيث « لا يجعل الدستور العقيدة الدينية أو ممارسة عبادة معينة شرطا للامتيازات السياسية » (المرجع السابق، ص 225)

و لكن « لا يعتقد المرء في الولايات المتحدة أن الإنسان يمكن أن يِكون إنسانا مستقيما دون دين » (نفس المصدر، ص 224)

و مع ذلك فإِن شمال أميركا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون وتوكفيل والانكليزي هاملتون بالإجماع. الولايات الأميركية الشمالية هي بالنسبة لنا مجرد مثال. فالسؤال هو:ما هو موقف التحرر السياسي الكامل من الدين ؟ المسألة هي: كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين ؟ فإِذا كنا نجد حتى في بلد التحرر السياسي الكامل ليس وجود الدين وحسب و إنما وجود الدين المفعم بالحياة والقوة أيضا، يكون الدليل قد قدم على أن وجود الدين لا يتعارض مع قيام الدولة الكاملة. ولكن لأن وجود الدين هو وجود لنقص، فإن مصدر هذا النقص لا يمكن أن يبحث عنه إلا في جوهر الدولة نفسه. لا يعود الدين بالنسبة لنا هو الأساس وإنما كظاهرة للمحدودية الدنيوية وحسب. ومن هنا فإننا نفسر اللاموضوعية الدينية للمواطنين الأحرار بلاموضوعيتهم الدنيوية. لا ندعي أن عليهم أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية. بل نزعم أنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية. إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وإنما اللاهوتية إلى دنيوية. نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتا كافيا في الغيبيات. تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري. إننا ننتقد الضعف الديني للدولة السياسية حين ننتقد الدولة السياسية في بنيتها الدنيوية بصرف النظر عن الضعف الديني. إننا نؤنسن تناقض الدولة مع دين معين، كاليهودية مثلا، في التناقض بين الدولة وعناصر دنيوية معينة والتناقض بين الدولة والدين بوجه عام، في التناقض بين الدولة وشروطها بوجه عام.

التحرر السياسي لليهودي والمسيحي والإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية والمسيحية ومن الدين بوجه عام. تتحرر الدولة في شكلها، الذي يتضمن جوهرها الخاص كدولة، من الدين بتحررها من دين الدولة، هذا يعني بعدم إقرار الدولة كدولة بدين، بل بإِقرارها بكونها دولة. ليس التحرر السياسي من الدين هو التحرر من الدين المطبق والخالي من التناقضات، لأن التحرر السياسي ليس الأسلوب المطبق والخالي من التناقضات للتحرر البشري.

تبدو حدود التحرر السياسي في الحال في قدرة الدولة على تحرير نفسها من حاجز لا يكون الإنسان متحررا منه فعلا، وفي أن الدولة يمكن أن تكون دولة حرة [تلاعب لفظي على كلمة Freistaat التي تعني أيضا جمهورية] دون أن يكون الإنسان حر. يعترف باور نفسه بذلك ضمنا حين يضع الشرط التالي للتحرر السياسي:

« يجب إلغاء كل امتياز ديني بوجه عام بما في ذلك احتكار كنسية تتمتع بالامتيازات، وإذا كان البعض أو العديد أو الغالبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فإِن هذا الأداء مسألة خاصة تماما متروكة لها. »

و هكذا يمكن للدولة أن تكون قد انعتقت من الدين، حتى حين تكون الغالبية العظمى متدينة. ولا تكف الغالبية العظمى من خلال ذلك أن تكون متدينة، أن تكون متدينة في حياتها الخاصة.

و لكن موقف الدولة والجمهورية [Freistaat] خاصة من الدين، إنما هو موقف الناس الذين يشكلون الدولة من الدين وحسب. والخلاصة هي أن الإنسان من خلال الوسيط الذي هو الدولة يتحرر سياسيا من حاجز بأن يرتفع فوق هذا الحاجز بطريقة تجريدية ومحدودة وجزئية متناقضا مع نفسه. وأبعد من هذا أن الإنسان يتحرر بتحرره سياسيا، بطريقة غير مباشرة من خلال وسيط، ولو كان هذا الوسيط ضروريا. وأخيرا يبقى الإنسان حتى حين يعلن إلحاده بوساطة الدولة، هذا يعني حين يعلن إلحاد الدولة، يبقى مع ذلك متحيزا للدين، ذلك أنه يعترف بنفسه بطريقة غير مباشرة، من خلال وسيط فقط. فالدين هو الاعتراف بالإنسان بطريقة غير مباشرة، عبر وسيط. الدولة هي الوسيط بين الإنسان وحريته، فكما أن المسيح وسيط يحمله الإنسان كل ألوهيته، كل تحيزه الديني فإِن الدولة هي الوسيط الذي يضع فيه كل بشريته وكل تحيزه البشري.

يشترك ارتقاء الإنسان السياسي فوق الدين مع الإرتقاء السياسي بكل النقائص والفضائل بوجه عام. فقد تلغي الدولة كدولة الملكية الخاصة على سبيل المثال، فيعلن الفرد بطريقة سياسية أن الملكية الفردية قد ألغيت، حالما يجعل التعداد العام أساسا لقابلية المرء أن يُنتخَب أو ينتخِب، كما حصل في عدد كبير من ولايات أميركا الشمالية. يفسر هاملتون هذه الواقعة من منطلق سياسي تفسيرا صحيحا تماما:

« القد حققت العامة الانتصار على المالكين والثروة النقدية. » (توماس هيملتون “الناس و التصرفات في أمريكا”، مجلد 2، ايدنبرغ، 1833، ص 146)

أليست الملكية الخاصة في وضع نموذجي حين يكون من لا يملك قد أصبح المشرع للمالك ؟ والتعداد العام هو آخر شكل سياسي يمكن أن يعترف بالملكية الخاصة.

إلا أنه مع النفي السياسي للملكية الخاصة لا ينتفي إلغاء الملكية الخاصة فقط وإنما يصبح شرطا. تلغي الدولة فرق الأصل والمكانة الاجتماعية والمهنة بطريقتها حين تقرر أن الأصل والمكانة الاجتماعية و المهنة هي فوارق غير سياسية، وحين تعلن دون مراعاة لهذه الفوارق عن كون كل فرد من أفراد الشعب مشاركا متساوي في السيادة الشعبية إذا ما تعامل مع جميع عناصر حياة الشعب الحقيقية من وجهة نظر الدولة. ومع ذلك تترك الدولة الملكية الخاصة والتأهيل والعمل تؤثر على طريقتها الخاصة، هذا يعني كملكية خاصة وتأهيل وعمل، مؤكدة طبيعتها الخاصة. إنها بعيدة كل البعد عن إلغاء هذه الفوارق، بل أنها توجد فقط في ظل هذه الشروط، وتشعر أنها دولة سياسية وتجعل عموميتها نافذة في مواجهة عناصرها هذه. ومن هنا فإن هيغل يحدد العلاقة بين الدولة السياسية والدين تحديدا صحيحا تاما حين يقول:

« كي تقوم الدولة كواقع واع وأخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة والعقيدة. ولكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة بوقوفها فوق الكنائس الخاصة شمولية الفكر ومبدأ شكلها الذي تظهره للوجود. » (هيغل” فلسفة الحق” الطبعة الأولى، ص 346).

حقا تتشكل الدولة هكذا فقط مرتفعة فوق العناصر الخاصة كمؤسسة للمجموع.

الدولة السياسية المكتملة طبقا لطبيعتها هي حياة النوع الإنساني على العكس من حياته المادية. فجميع الشروط لهذه الحياة الأنانية تبقى موجودة في المجتمع البورجوازي خارج مجال الدولة، ولكن كخصائص لهذا المجتمع. فحيثما بلغت الدولة نموها الحقيقي يعيث الإنسان حياة ْمزدوجة ليس فقط في الفكر أو الوعي وإنما في الواقع، في الحياة، حياة سماوية و أخرى أرضية، الحياة في المجتمع السياسي حيث يعتبر نفسه كائنا عاما و الحياة في المجتمع البورجوازي، حيث يمارس حياته الخاصة، ويعتبر الآخرين وسيلة، ويتحول نفسه إلى وسيلة ولعبة في أيدي قوى غريبة. و تقف الدولة السياسية إزاء المجتمع البورجوازي بمثل روحانية السماء إزاء الأرض. إنها تقف في نفس التناقض معه وتتغلب عليه بنفس الطريقة التي يتغلب بها الدين على محدودية العالم الدنيوي. هذا يعني بأن تعترف به أيضا، تنشئه، وتصبح خاضعة له. الإنسان في واقعه الأكثر مباشرة في المجتمع البورجوازي هو كائن دنيوي. هنا حيا يعتبر بالنسبة لذاته و للآخرين فردا يكون ظاهرة غير حقيقية. وعلى العكس في الدولة حيث يعتبر الإنسان نوعا يكون العضو الخيالي لسيادة وهمية، وتسرق منه حياته الفردية الحقيقية وتملأ بجماعية غير واقعية.

إن الصراع الذي يجد الإنسان نفسه فيه كمعتنق لدين خاص ومواطن لدولة مع الناس الآخرين كأعضاء في المجتمع، يتقلص إلى الانشطار الدنيوي بين الدولة السياسية والمجتمع المدني. « فالحياة في ظل الدولة بالنسبة للإنسان البورجوازي [هنا بمعنى عضو من المجتمع المدني، الحياة الخاصة] هي مجرد مظهر أو استثناء مؤقت يتعارض مع الجوهر و القواعد. »
حقا أن البورجوازي يبقى في حياة الدولة مثل اليهودي بصورة سفسطائية، كما يبقى المواطن بصورة سفسطائية يهوديا أو بورجوازيا. لكن هذه السفسطة ليست شخصية. إنها سفسطة الدولة السياسية نفسها. الفرق بين الإنسان المتدين والمواطن هو الفرق بين التاجر وبين المواطن، بين العامل بأجر يومي والمواطن، بين المالك العقاري والمواطن، بينالفرد الحي و المواطن. والتناقض الذي يقوم بين الإنسان المتدين والإنسان السياسي هو التناقض نفسه الذي يقوم بين البورجوازي والمواطن، بين عضو المجتمع البورجوازي وجلد الأسد السياسي الذي يرتديه.

هذا النزاع الدنيوي الذي تنحصر فيه المسألة اليهودية في الآخر،علاقة الدولة السياسية بشروطها، سواء كانت هذه عناصر مادية مثل الملكية الخاصة وما إلى ذلك، أو فكرية مثل التعليم والدين، الصراع بين المصالح العامة والمصلحة الخاصة، الانشطار بين الدولة السياسية و المجتمع البورجوازي، يترك باور هذه التناقضات الدنيوية قائمة، بينما يطعن في التعبير الديني عنها.

« إن أساسها بالذات، الحاجة التي تؤمّن للمجتمع المدني بقاءه وتضمن ضرورته، يعرض وجوده لخطر دائم، ويغذي في داخله عنصرا غير مأمون، و يأتي بذلك الخليط المتناوب من الفقر والغنى، من العوز والازدهار و بشكل عام التغير. »

يقارن المرء مقطع « المجتمع المدني » بكامله (ص 8-9) ، والذي صيغ وفق الملامح الأساسية لفلسفة الحق لدى هيغل. يعترف بالمجتمع المدني في تناقضه مع الدولة السياسية كضرورة، لأن الدولة السياسية معترف بها كضرورة.

التحرر السياسي خطوة تقدمية كبير حقا، ورغم أنها ليست الشكل الأخير للتحرر الإنساني بشكل عام لكنها الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن النظام العالي القائم حتى الآن. نحن نتحدث هنا بالطبع عن التحرر الحقيقي، العملي.

يتحرر الإنسان سياسيا من الدين بإِقصائه من الحق العام إلى الحق الخاص. إنه لا يعود روح الدولة، حيث يتصرف الإنسان – ولو بطريقة محدودة وضمن شكل خاص وفي مجال خاص – ككائن نوعي، بالاشتراك مع الناس الآخرين، و إنما يكون قد أصبح روح المجتمع البورجوازي ومجال الأنانية وحدب الجميع ضد الجميع. إنه لم يعد جوهر المجموع وإنما جوهر الاختلاف. و أصبح تعبيرا عن انفصال الإنسان عن طبيعته الاجتماعية، بينه وبين الناس الآخرين – وهو ما كانه في الأصل. إنه لم يعد سوى الاعتراف المجرد بالخطأ الخاص والنزوة الشخصية والاعتباطية. أن التشظي اللانهائي للدين في أميركا الشمالية مثلا يعطيه ظاهريا شكل قضية خاصة محضة. لقد ألقي به في عداد الاهتمامات الخاصة وهجر كموضوع عام من قبل الجماعة. و لكن لا ينبغي أن يعترينا الوهم بشأن حدود التحرر السياسي. إن انشطار الإنسان إلى إنسان عام وآخر خاص ونقل الدين من الدولة إلى المجتمع البورجوازي، ليسا مرحلة وإنما هما اكتمال التحرر السياسي الذي لا يلغي التدين الحقيقي للإنسان كما لا يسعى لإلغائه.

أن تفكيك الإنسان إلى يهودي ومواطن، إلى بروتستانتي ومواطن، إلى إنسان متدين ومواطن، هذا التفكيك ليس كذبة ضد المواطن، ولا التفافا على التحرر السياسي، إنه التحرر السياسي نفسه. إنه الطريقة السياسية للتحرر من الدين. تستطيع الدولة بلا شك ويتوجب عليها في الفترات التي تولد فيها الدولة السياسية من المجتمع البورجوازي بالقوة ويسعى التحرر البشري أن يحقق نفسه في صورة التحرر السياسي، أن تمضي حتى إلغاء الدين، حتى القضاء على الدين، ولكن تمضي على هذا النحو فقط إلى أبعد حد كما تفعل لإلغاء الملكية الخاصة، إلى المصادرة، إلى الضرائب التصاعدية، كما تمضي إلى إلغاء الحياة، إلى المقصلة. وفي اللحظات الخاصة من إحساسها بذاتها تبحث الحياة السياسية عن شروطها، فتحاول سحق المجتمع البورجوازي و عناصره لتقيم نفسها كحياة للنوع الإنساني، حقيقية وخالية من التناقض. إنها تستطيع هذا فقط من خلال تناقض عنيف مع شروط حياتها الخاصة، فقط بأن تعلن أن الثورة مستديمة فتنتهي المأساة السياسية من هنا بالضرورة كذلك بإِعادة الدين والملكية الخاصة وجميع عناصر المجتمع البورجوازي، كما تنتهي الحرب بالسلام.

أجل، ليست الدولة المسماة مسيحية، التي تعترف بالمسيحية كأساس لها و كدين للدولة وتميز نفسها بهذا عن الديانات الأخرى هي الدولة المسيحية الكاملة، وإنما الدولة الملحدة، الدولة الديمقراطية، الدولة التي تضع الدين ضمن باقي عناصر المجتمع البورجوازي. لم تنجح بعد الدولة التي لا تزال لاهوتية والتي تقر باعتناق المسيحية بصورة رسمية، التي لا تجرؤ بعد على إعلان نفسها كدولة، لم تنجح هذه الدولة بعد في التعبير عن الأساس البشري في شكل دنيوي بشري، تكوك المسيحية التعبير الدافق عنه. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو ببساطة اللادولة، إذ لا تستطيع المسيحية كدين وإنما الخلفية البشرية للدين المسيحي فقط أن تطرح نفسها في إبداعات إنسانية حقيقية.

إن ما يسمى بالدولة المسيحية إنما هو النفي المسيحي للدولة، ولكنه ليس تحقيقا للمسيحية من قبل الدولة بأي حال من الأحوال. الدولة التي لا تزال تقر بالمسيحية على شكل دين، لا تقر بها على شكل دولة، فهي لا تسلك سلوكا متدينا إزاء الدين، هذا يعني إنها ليس التحقيق الفعلي للأساس الإنساني، لأنها لا تزال تقود إلى الوهم، إلى الهيئة الخيالية لهذه النواة الإنسانية. إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو الدولة غير المكتملة، والدين بالنسبة لها تكملة وعلاج لنقصها. من هنا يصبح الدين بالنسبة لها بالضرورة وسيلة، وهي دولة النفاق. إنه لفرق كبير فيما إذا اعتبرت الدولة المكتملة الدين ضمن شروطها بسبب نقص يكمن في الطبيعة العامة للدولة، أو أعلنت الدولة غير الكاملة بسبب النقص الذي يكمن في وجودها الخاص كدولة ناقصة الدين كأساس لها. ويصبح الدين في الحالة الأخيرة سياسة غير كاملة. وفي الحالة الأولى يظهر نقص السياسة الكاملة في الدين. يحتاج ما يسمى بالدولة المسيحية إلى الدين المسيحي ليكتمل كدولة.

أما الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية فهي لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي. وأكثر من ذلك فهي تستطيع أن تطرح جوانب كثيرة من الدين لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية. وعلى العكس يقف ما يسمى بالدولة المسيحية موقفا سياسيا إزاء الدين ودينيا إزاء السياسة. وحين تحط هذه الدولة من الأشكال السياسية ظاهريا فإِنها تحط من الدين ظاهريا بنفس القدر.

لنتفحص من أجل توضيح هذا التناقض البناء الذي يطرحه باور للدولة المسيحية، وهو بناء منبثق عن دراسة الدولة المسيحية الجرمانية.

يقول باور « من أجل إثبات عدم إمكانية أو عدم وجود الدولة المسيحية نبه المرء أكثر من مرة مؤخرا إلى أقوال الإنجيل، تلك التي لا تمتنع الدولة عن العمل بها وحسب وإنما لا تستطيع حتى العمل بها إذا لم تحل نفسها نهائيا. »

لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فبم تطالب تلك الأقوال الإنجيلية ؟ إنكار الذات فوق الطبيعي، خضوع لسلطة الوحي، العزوف عن الدولة، إلغاء العلاقات الدنيوية. إلا أن هذا كله هو ما تطالب به و تحققه الدولة المسيحية. لقد تمثلت روح الإنجيل، وإذا كانت لا تعكسها بنفس الحروف التي يعبر بها الإنجيل عنها فإِن ذلك ناتج عن أن الدولة تعبر عن هذه الروح بأشكال سياسية، هذا يعني بأشكال مستمدة من كيان الدولة في هذا العالم حقا، ولكنها في انبعاثها الديني الذي كان عليها أن تمر به اختصرت إلى مظهر وحسب. إنه العزوف عن الدولة مستخدما من أجل تحققه أشكال الدولة. (ص55)

يتابع باور شرح كيف أن شعب الدولة المسيحية ليس شعبا، فهو لم يعد يملك إرادة خاصة به ويكمن وجود الحقيقي في الرئيس الذي يخضع له، والذي هو في الأصل وبناء على طبيعته غريب عنه، هذا يعني أنه معطى من الله، وقد جاء إليه دون تدخل منه، كيف أن قوانين هذا الشعب ليست من عمله الخاص و إنما هي وحي ايجابي، وكيف يحتاج الرئيس إلى وسطاء متميزين بينه وبين الشعب الفعلي، الجماهير، وكيف تتفتت هذه الجماهير نفسها إلى دوائر خاصة تشكلها وتتحكم فيها الصدفة، وهي تختلف في مصالحها وأهوائها الخاصة وأحكامها المسبقة وتحصل على جواز الانفصال عن بعضها كامتياز،الخ. (ص 56)

وحده باور يقول بنفسه:

« لا يجوز للسياسة أن تكون سياسة إذا توجب عليها ألا تكون سوى دين، كما لا يجوز أن يكون غسل قدور الطبخ مسألة اقتصادية، إذا ما تعين اعتبارها شأنا دينيا. » (ص 108)

لكن الدين في الدولة الجرمانية المسيحية هو “مسألة اقتصادية”، كما أن “المسألة الاقتصادية” دين. فسلطة الدين في الدولة المسيحية الجرمانية هي دين السلطة.

فصل “روح الإنجيل” عن “حروف الإنجيل” هو عمل مناف للدين. والدولة التي تدع الإنجيل يتحدث بحروف السياسة، بحروف أخرى غير حروف الروح القدس، ترتكب خرقا للدين إن لم يكن في نظر الناس فمن وجهة نظرتها الدينية الخاصة. يجب مواجهة الدولة التي تعتبر المسيحية قانونها الأعلى و الكتاب المقدس ميثاقها بكلمات الكتاب المقدس، فالكتاب مقدس حتى الكلمة. تقع هذه الدولة كما هو الحال بالنسبة للنفايات البشرية التي تشكل قاعدتها في تناقض مؤلم لا يمكن حله من منظور الوعي الديني حين يِحيلها المرء إلى أقوال الإنجيل التي « لا تهمل اتباعها فقط وإنما لا تستطيع حتى اتباعها إذا لم تشأ أن تحل نفسها كدولة كليا. » ولم لا تريد أن تحل نفسها كليا ؟ لا هي نفسها ولا أحد آخر يستطيع الإجابة عن هذا لسؤال. الدولة المسيحية الرسمية أمام وعيها الخاص واجب لا يمكن حقيقه و هي تثبت حقيقة وجودها بالكذب على نفسها ومن هنا تبقى دائما موضوعا مشكوكا فيه، غير موثوق به ومعضلا. وهكذا فإن النقد على حق تماما حين يرغم الدولة التي تستند إلى الكتاب المقدس على زحزحة وعيها، حيث لا تعرف هي نفسها ما إذا كانت وهما أم واقعا، وحيث تقع دناءة أغراضها الدنيوية التي تتخذ من الدين ستارا لها في تناقض لا حل له مع نزاهة وعيها الديني الذي يبدو له الدين غاية العالم. لا تستطيع هذه الدولة أن تخلص نفسها من عذابها الداخلي إلا حين تصبح خادما طاغيللكنيسة الكاثوليكية، وإزاء هذه الكنيسة التي تعلن أن السلطة الدنيوية هي الجسد الذي يخدمها، فإن الدولة لا حول لها، لا حول للسلطة الدنيوية التي تدعي سيادة الروح الديني.

ليس الإنسان هو المهم في ما يسمى بالدولة المسيحية وإنما الاغتراب. والإنسان الوحيد المهم وهو الملك، يختلف عن الناس الآخرين، وهو في ذلك كائن متدين يرتبط بالسماء وبالله مباشرة. إن العلاقات التي تسود هنا لا تزال علاقات قائمة على الإيمان، فالروح الديني لم يصبح بعد دنيويا حقا.

و لكن الروح الديني لا يمكن أن يصبح دنيويا حق، فأي شيء يكون هو نفسه إن لم يكن الشكل غير الدنيوي لمرحلة تطور العقل البشري ؟ يمكن للروح الديني أن يتحقق بقدر ما تبرز درجة تطور العقل البشري، والذي هو تعبير عنها، وتنشأ في شكلها الدنيوي. وهذا يحدث في الدولة الديمقراطية. ليست المسيحية وإنما الأساس الإنساني للمسيحية هو أساس هذه الدولة. يبقى الدين هو الوعي المثالي غير الدنيوي لأعضائها، لأنه الشكل الأمثل لدرجة التطور البشري التي تتحقق فيه.

إن أعضاء الدولة السياسية متدينون من خلال الثنائية القائمة بين الحياة ْالفردية وحياة النوع، بين حياة المجتمع البورجوازي والحياة السياسية، متدينون حيث يعتبر الإنسان حياة الدولة في الطرف الآخر من فرديته الحقيقية، حياته الحقيقية، متدين بقدر ما يكوك الدين هنا روح المجتمع البورجوازي وتعبير عن الفصل وابتعاد الإنسان عن الإنسان. الديمقراطية السياسية مسيحية حيث لا يعتبر الإنسان فيها إنسانا واحدا و حسب وإنما يكون كل إنسان كائنا مستقلا أسمى، لكن الإنسان في مظهره اللامتحضر واللااجتماعي، في وجوده بالصدفة، الإنسان كما هو، الإنسان كما أفسده كل تنظيم مجتمعنا، أضاع ذاته، بيع، ووضع تحت سيطرته عناصر ظروف غير إنسانية، بكلمة واحدة، الإنسان الذيِ لم يصبح بعد كائنا نوعيا حق. إن الصورة الخيالية، الحلم، مسلمات المسيحية، استقلال الإنسان، و لكن كغريب، ككائن يختلف عن الإنسان الحقيقي كل ذلك في الديمقراطية حقيقة ملموسة، حاضر وقاعدة دنيوية.

يبدو الوعي الديني واللاهوتي لنفسه في الديمقراطية الكاملة أكثر تدينا و لاهوتية مما هو كحياة آخرة، حين لا يكون له معنى سياسي وأغراض أرضية و يكون شأنا من شؤون المشاعر المتهيبة أمام ما هو دنيوي، وتعبيرا عن محدودِة الفهم، ونتاج الهوى والخيال. تبلغ المسيحية هنا التعبير العملي لمعناها الديني الشامل حيث تتجمع مختلف الرؤى الفلسفية إلى جانب بعضها في صيغة المسيحية، وتتعزز أكثر من خلال عدم مطالبتها الآخر أن يكون مسيحيا وإنما أن يعتنق دينا ما فقط (قارن عمل بومون المذكور). إن الوعي الديني ينعم بثراء التناقض الديني وتنوعه.

و هكذا فقد أظهرنا أن التحرر السياسي من الدين يدع الدين قائما ولكن دون امتيازات. إن التناقض الذي يجد تابع دين معين نفسه فيه مع كونه مواطن دولة ما هو إلا جزء فقط من التناقض الدنيوي العام بين الدولة السياسية والمجتمع البورجوازي. واكتمال الدولة المسيحية هو الدولة التي تقر بكونها دولة وتنفصل عن دين أعضائها. وتحرر الدولة من الدين ليس هو تحرر الإنسان الحقيقي من الدين.

و هكذا فإننا لا نقول لليهود مع باور: لا يمكنكم أن تتحرروا سياسيا دون أن تتحرروا جذريا من اليهودية. بل إننا نقول لهم أكثر من ذلك: لأنكم تستطيعون أن تتحرروا سياسيا دون أن تنفكوا نهائيا ودون تناقضات عن اليهودية، لذلك فإِن التحرر السياسي نفسه ليس التحرر الإنساني. إذا أردتم أيها اليهود أن تتحرروا سياسيا، دون أن تحرروا أنفسكم إنسانيا، فإِن النقص والتناقض لا يكمن فيكم فقط وإنا يكمن في جوهر وفي مصطلح التحرر السياسي، إذا كنتم تشعرون بالارتباك من هذا المصطلح فإنكم تشاركون في ارتباك عام. وكما تكون الدولة إنجيلية رغم أنها دولة و تتصرف كدولة مسيحية إزاء اليهودي، فإِن اليهودي يتسيس، رغم أنه يهودي و يطاب بحقوق المواطنة.

و لكن إذا استطاع الإنسان أن يتحرر سياسيا، حتى لو كان يهوديا، ويحصل على حقوق المواطنة، فهل يستطيع أن يطالب بما يسمى حقوق الإنسان و يتمتع بها ؟ ينكر باور هذا.

« المسألة هي ما إذا كان اليهودي كيهودي، بمعنى، اليهودي الذي يقر نفسه أنه مرغم بسبب جوهره الحقيقي أن يعيث منفصلا عن الآخرين إلى الأبد، قادرا على تلقي حقوق الإنسان العامة والإقرار بها للآخرين. »

« لم تكتشف فكرة حقوق الإنسان في العالم المسيحي إلا في القرن الماضي. لا يملكها الإنسان بالولادة، بل إنها تنتزع في الكفاح ضد التقاليد التاريخية التي نشأ عليها الإنسان حتى الآن. وهكذا فحقوق الإنسان ليسا منحة من الطبيعة، وليست صداق التاريخ المنصرم وإنما هي ثمن كفاح ضد صدفة الميلاد وضد الامتيازات التي أورثها التاريخ من جيل إلى جيل حتى الآن. وهي نتيجة للتعليم ولا يستطيع أن يملكها إلا من اكتسبها و استحقها. »

« هل يستطيع اليهودي إذن أن يمتلكها فعلا ؟ إنه ما دام يهوديا فإن الجوهر المحدود الذي يجعل منه يهوديا ينتصر حتما على الجوهر الإنساني الذي يفترض فيه أن يربطه كإِنسان بالبشر الآخرين، ويفصله عن غير اليهود. إنه يعلن من خلال هذا التمايز أن الطبيعة المتميزة التي تجعل منه يهوديا هي جوهره الحقيقي الأعلى الذي ينبغي أن يتراجع أمامه جوهر الإنسان. »

« و بنفس الطريقة لا يستطيع المسيحي أن يكفل حقوق الإنسان كمسيحي. » (ص 19-20)

على الإنسان، كما يرى باور، أن يضحي بـ “امتياز العقيدة” ليستطيع تلقي حقوق الإنسان العامة. فلنتأمل لحظة ما يسمى بحقوق الإنسان في شكلها لدى مكتشفيه الأميركيين الشماليين والفرنسيين. هذه الحقوق هي حقوق سياسية في جزء منه، حقوق لا يمكن ممارستها إلا ضمن الجماعة. فالمشاركة في الجماعة تشكل محتواها، وبالذات في الجماعة السياسية، في الدولة. فهي تندرج تحت مصطلح الحرية السياسية، تحت مصطلح الحقوق المدنية التي لا تشترط بأي حال من الأحوال إلغاء الدين الايجابي والخالي من التناقضات كما رأينا، كذلك أيضا الدين اليهودي. يبقى علينا تأمل القسم الآخر من حقوق الإنسان بالقدر الذي تختلف فيه عن حقوق المواطنة.

تدخل في إطارها حرية الضمير، حق ممارسة العبادة التي يريدها المرء. و يعترف بامتياز العقيدة بصورة مؤكدة إما كحق من حقوق الإنسان أو كتبعة لحق من حقوق الإنسان هو الحرية.

« لا ينبغي أن يضايق أي إنسان بسبب قناعاته، بما فيها الدينية. » (إعلان حقوق الإنسان 1791، المادة العاشرة)

و قد كفل دستور عام 1791 في الباب الأول:

« حرية كل فرد في ممارسة العبادة التي ينتسب إليها، كحق من حقوق الإنسان. »

و يورد إعلان حقوق الإنسان لعام 1793، المادة السابعة، “حرية ممارسة العبادات.” وجاء في سياق حق الإنسان في نشر أفكاره وآرائه وعقد الاجتماعات وممارسة العبادة « إن ضرورة إعلان هذه الحقوق تفترض وجود الاستبداد أو ذكراه القريبة. » قارن دستور عام 1795، الباب الثاني عشر، المادة 354. دستور بنسلفانيا، المادة التاسعة، الفقرة الثالثة:

« لقد تلقى جميع الناس الحق الحتمي من الطبيعة في الصلاة لله القدير متبعين وحي ضميرهم، و لا يمكن أن يرغم أحد بحكم القانون أن يقر بأي عبادة أو إله، أو يمارسها أو يساندها خلافا لرغبته. ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن تتدخل أي سلطة بشرية في قضايا الضمير وتسيطر على قوى الروح. »

دستور نيوهامبشاير، المادة التاسعة، الفقرة الثالثة:

يوجد في الحقوق الطبيعية بعضٌ لا يمكن التخلي عنه بحكم طبيعته، لأنه لا يمكن تعويضه بما يعادل قيمته. وضمن هذا البعض تندرج حقوق الضمير. (بومون، ص 213-214).

لا تكاد استحالة التوفيق بين الدين وحقوق الإنسان تكمن في مصطلح حقوق الإنسان، بل أن حق المرء في أن يكون متدين، متدينا بالطريقة التي يريدها، وأن يمارس عبادات ديانته الخاصة، عد بوضوح ضمن حقوق الإنسان. إن امتياز العقيدة هو حق عام من حقوق الإنسان.

لقد جرى التمييز بين حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، فمن هو الإنسان المتميز عن المواطن ؟ لا أحد سوى عضو المجتمع البورجوازي. ولماذا يصبح عضو المجتمع البورجوازي هذا إنسانا، مجرد إنسان، ولماذا تسمى حقوقه حقوق الإنسان ؟ بم نفسرهذا الواقع ؟ من خلال علاقة الدولة السياسية بالمجتمع البورجوازي، من خلال جوهر التحرر السياسي.

نثبت قبل كل شيء أن ما يسمى بحقوق الإنسان، وهي خلاف حقوق المواطن، ليست سوى حقوق أعضاء المجتمع البورجوازي، هذا يعني الإنسان الأناني، الإنسان المنفصل عن الناس وعن المجموع. ينبغي على الدستور الأكثر جذرية، دستور 1793 أن يقول: « إعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن. » المادة الثانية: « هذه الحقوق (الحقوق الطبيعية والحتمية) هي: المساواة، الحرية، الأمن، الملكية. » فيم تتمثل الحرية ؟

المادة 6 « الحرية هي حق الإنسان في أن يفعل كل شيء لا يضر بحقوق الآخرين » أو حسب “إعلان حقوق الإنسان لعام 1791″:« تتمثل الحرية في الحق في فعل كل ما لا يضر الآخرين. »

الحرية هي إذن الحق في فعل كل شيء لا يضر بالآخرين. أما الحدود التي يستطيع كل فرد أن يتحرك فيها دون أن يضر بالآخرين فيحددها القانون كما يرسم وتد السور الحدود بين حقلين يتعلق الأمر بحرية الإنسان كوحدة معزولة منطوية على ذاتها. لماذا لا يستطيع اليهودي، حسب رأى باور، تلقي حقوق الإنسان ؟

« ما دام يهوديا يكون على الجوهر المحدود الذي يجعل منه يهوديا أن ينتصر على الكيان البشري، وهو ما يفترض أنه يربطه كإِنسان بالبشر، و يفصله عن غير اليهود. »

و لكن حق الإنسان في الحرية لا يستند إلى ارتباط الإنسان بالإنسان بل بالأحرى إلى انفصال الإنسان عن الإنسان. إنه حق هذا الانفصال، حق المحدودية، محدودية الفرد بذاته.

إن الاستخدام العملي لحق الإنسان في الحرية هو حق الإنسان في الملكية الخاصة.

أين يقوم حق الإنسان في الملكية الخاصة ؟

المادة 16 (دستور 1793): « حق الملكية هو حق كل مواطن أن يتمتع كما يريد بممتلكاته، ومدخولاته وبثمار عمله واجتهاده و يتصرف بها. »

و إذن فحق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في أن يستمتع ويتصرف بثروته كما يريد، دون مراعاة الناس الآخرين، وبصورة مستقلة عن المجتمع، حق المنفعة الذاتية. تلك الحرية الفردية، و هذا الاستخدام لها، يشكلان أساس المجتمع البورجوازي. إنها تترك لكل إنسان أن يجد في الإنسان الآخر حدود حريته وليس تحقيقها. إنها تعلن قبل كل شيء حق الإنسان في « أن يتمتع كما يريد بممتلكاته، ومدخولاته و بثمار عمله واجتهاده ويتصرف بها. »

تبقى حقوق الإنسان الأخرى، المساواة والأمن.

المساواة هنا هي بمعناها غير السياسي ليست سوى المساواة في الحرية التي سبق وصفها، ألا وهي: أن ينظر إلى كل إنسان بصورة متساوية كوحدة قائمة بذاتها. يحدد دستور 1795 مصطلح هذه المساواة بما يناسب معناها في:

المادة 3 (دستور 1795) تتمثل المساواة في أن ينطبق نفس القانون على الجميع، سواء حين يحمي أو يعاقب.

و الأمن ؟

المادة 8 (دستور 1793): « يتمثل الأمن في الحماية التي يكفلها المجتمع لكل عضو من أعضائه لحفظ شخصه وحقوقه وملكيته. »

الأمن هو أعلى مفهوم للمجتمع البورجوازي، مفهوم الشرطة، أن المجتمع بأكله موجود فقط ليكفل لكل من أعضائه المحافظة على شخصه وحقوقه و ملكيته. يسمي هيغل المجتمع البورجوازي بهذا المعنى: “دولة الحاجة والعقل.”

لا يرتقي المجتمع البورجوازي من خلال مفهوم الأمن فوق أنانيته. فالأمن هو بالأحرى ضمان أنانيته.

و إذن فلا يتجاوز أيٌ مما يسمى حقوق الإنسان الإنسان الأناني، فالإنسان كعضو في المجتمع البورجوازي، منطو على نفسه وعلى مصالحه الخاصة و رغباته الخاصة، وفرد منفصل عن المجموع. ما أبعد أن يكون الإنسان قد اعتبر فيها كائنا نوعيا بل تبدو حياة النوع نفسها، المجتمع، كإطار خارجي للأفراد وتقييد لاستقلالهم الأصلي. والرابطة الوحيدة التي تمسك بها هي الضرورة الطبيعية، الحاجة والمصلحة الخاصة، أي حفظ ملكيتهم و شخصهم الأناني.

إنه لمن الملغز أن شعبا قد بدأ توا بتحرير نفسه وهدم جميع الحواجز بين أعضاء الشعب المختلفين وتأسيس جماعة سياسية، أن مثل هذا الشعب يعلن محتفلا، مشروعيةَ الإنسان الأناني المفصول عن الناس وعن المجموعة. (إعلان 1791) بل ويعيد هذا الإعلان في لحظة لا يستطيع أن ينقذ الأمة فيها إلا العطاء البطولي، ومن هنا يكون مطلوبا بالضرورة في لحظة يتوجب فيها أن تصبح التضحية بجميع مصالح المجتمع البورجوازي أمرا معمولا به و يعاقب فيها على الأنانية كجريمة (إعلان حقوق الإنسان 1793) وتصبح هذه الواقعة أكثر إبهاما حين نرى أن المواطنة، أن المجموعة السياسية تنحدر من التحرر السياسي وتصبح مجرد وسيلة للمحافظة على ما يسمى بحقوق الإنسان هذه، أي أن المواطن يصبح خادما للإنسان الأناني، وأن المجال الذي يسلك فيه الإنسان ككائن اجتماعي يتدنى تحت المجال الذي يسلك فيه كجزء، وأخيرا يصبح الإنسان الحقيقي في الواقع ليس الإنسان كمواطن ولكن الإنسان كبرجوازي.

هدف جميع الاتحادات السياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية و الحتمية. (إعلان الحقوق، 1791، المادة الثانية)

« تعين الحكومة لتكفل للإنسان التمتع بحقوقه الطبيعية والحتمية. » (إعلان 1973، المادة الأولى)

و هكذا تعلن الحياة السياسية، حتى في لحظات حماسها الفتي الذيِ دفعه ضغط الأوضاع إلى الذروة، أنها مجردوسيلة هدفها حياة المجتمع البورجوازي. حقا يتناقض عملها الثوري تناقضا واضحا مع نظريتها. فبينما يعلن الأمن كحق من حقوق الإنسان على سبيل المثال، فإن سرية المراسلة تخرق علنا كل يوم، وبينما تكون « الحرية غير المحدودة للصحافة » مضمونة (دستور 1793،المادة 122) كنتيجة لحق الإنسان في الحرية الفردية، يُقضى على حرية الصحافة قضاء تاما، إذ أنه لا يجوز استخدام حرية الصحافة إذا كانت تمس الحرية العامة (روبيسبير الشاب “تاريخ برلمان الثورة الفرنسية” بقلم روشيز ورو، الجزء 28، ص 109) وهكذا فهذا يعني أن حق الإنسان في الحرية ينتفي حالما يدخل في نزاع مع الحياة السياسية، بينما الحياة السياسية طبقا للنظرية هي الضمان لحقوق الإنسان وحسب، أي حقوق الإنسان الفرد، يجب أن يُتخلى عنها حالما تتناقض مع غايته التي هي حقوق الإنسان. غير أن التطبيق هو الاستثناء وحسب، والنظرية هي القاعدة. ولكن إذا أراد المرء أن يعتبر التطبيق الثوري هو الوضع الصحيح فإِنه يبقى علينا حل اللغز: لماذا تقلب الأوضاع رأسا على عقب في وعي المحرريِن السياسيين فتبدو الغاية وسيلة والوسيلة غاية. لا يزال خداع وعيهم البصري هذا نفس اللغز مع أنه لغز نفسي ونظري.

إن حل هذا اللغز بسيط.

التحرر السياسي هو في نفس الوقت انحلال المجتمع القديم الذي يستند إليه كيان الدولة الغريب عن الشعب، سلطة الحكام. الثورة السياسية هي ثورة المجتمع البورجوازي. ماذا كان طابع المجتمع القديم ؟ كلمة واحدة ترسم ملامحه: الإقطاع. كان للمجتمع البورجوازي القديم طابع سياسي مباشر، هذا يعني أن عناصر الحياة البورجوازية كالملكية والعائلة أو أسلوب العمل ارتقت في شكل الإمارة، المكانة الاجتماعية والنقابة وأصبحت عناصر حياة الدولة. وتقررت علاقة الفرد بالدولة ككل على هذه الصورة، هذا يعني علاقته السياسية، بمعنى علاقته وانفصاله عن مكونات المجتمع الأخرى. فذلك التنظيم لحياة الشعب لم يرفع الملكية أو العمل إلى مستوى العناصر الاجتماعية، بل أنه أتم انفصالها عن الدولة ككل وأنشأ منها مجتمعات خاصة داخل المجتمع. وهكذا بقيت وظائف حياة وظروف المجتمع البورجوازي سياسية، و إن كانت سياسية بما يلائم الإقطاع، هذا يعني أنها فصلت الفرد عن الدولة ككل وحولت العلاقة الخاصة لنقابته بالدولة ككل إلى علاقته الشخصية العامة بحياة الشعب، كما حولت عمله ووضعه البورجوازي المحددين إلى عمل ووضع عام. وكنتيجة لهذا التنظيم تبدو وحدة الدولة كذلك بالضرورة، كما يبدو الوعي والإرادة وعمل وحدة الدولة وسلطة الدولة العامة، كشأن خاص لحاكم معزول عن الشعب ولخدمه.

إن الثورة السياسية التي أسقطت هذه السلطة وجعلت شؤون الدولة شؤون الشعب، والتي أقامت الدولة السياسية كشأن عام، أي كدولة حقيقية، حطت بالضرورة جميع الطبقات والطوائف المهنية والنقابات و الامتيازات وكذلك التعبيرات الكثيرة عن الفصل بين الشعب وكيانه العام. ألغت الثورة السياسية بذلك الطابع السياسي للمجتمع البورجوازي. لقد فتت المجتمع البورجوازي إلى مكوناته البسيطة،إلى الأفراد من ناحية، والعناصر المادية والروحية التي تشكل معنى الحياة والوضع البورجوازي لهؤلاء الأفراد من ناحية أخرى. إنها تعتق العقل السياسي الذي تجزأ وتفكك واندلق في الطرق المغلقة المختلفة للمجتمع الإقطاعي بصورة واحدة، لقد جمعته من هذا الشتات وحررته من اختلاطه بالحياة البورجوازية وشكلته كبيئة للكيان العام، للشعبي العام في استقلال مثالي عن تلك العناصر الخاصة للحياة البورجوازية. انخفضت مكانة المهنة المحددة والوضع الحياتي المحدد ولم يعد لهما سوى معنى فردي. لم يعودا يشكلان العلاقة العامة للفرد بالدولة ككل. بل أصبح الشأن العام بحد ذاته شأنا عاما لكل فرد و أصبحت الوظيفة السياسية وظيفته العامهَ.

كان اكتمال مثالية الدولة وحده اكتمال مادية المجتمع البورجوازي في نفس الوقت. وكان التخلص من النير السياسي تخلصا من الأغلال التي قيدت العقل الأناني للمجتمع البورجوازي في نفس الوقت. كان التحرر السياسي هو تحرر البورجوازي من السياسة في الوقت ذاته، وحتى من مظهر كونه محتوى عاما.

كان المجتمع الإقطاعي قد انحل في أساسه في الإنسان، ولكن في الإنسان الذي هو أساسه حقا، في الإنسان الأناني.

هذا الإنسان، عضو المجتمع البورجوازي هو الآن أساس وشرط الدولة السياسية. وقد اعترف به بهذه الصفة في حقوق الإنسان.

لكن حرية الإنسان الأناني والاعتراف بهذه الحرية هي بالأحرى الاعتراف بالحركة غير المقيدة للعناصر العقلية والمادية التي تشكل محتواها.

و من هنا فإِن الإنسان لم يحرر من الدين وإنما حصل على الحرية الدينية. لم يحرر من الملكية وإنما حصل على حرية الملكية، لم يحرر من أنانية المهنة وإنا حصل على حرية المهنة.

بعمل واحد تمت إقامة الدولة السياسية وحل المجتمع البورجوازي في أفراد مستقلين عن بعضهم – يحدد القانونعلاقتهم، كما كانت الامتيازات تحدد علاقات الطوائف المهنية و النقابات –. فالإنسان كعضو في المجتمع البرجوازي، الإنسان غير السياسي، يظهر بالضرورة بمثابة الإنسان الطبيعي. وتبدو حقوق الإنسان حقوقا طبيعية، حيث أن النشاط الواعي يتركز في الفعل السياسي. الإنسان الأناني هو النتيجة السلبية القائمة للمجتمع المنحل، موضوع اليقين المباشر، أي أنه شيء طبيعي. تفتت الثورة السياسية الحياة البورجوازية إلى مكوناتها دون أن تدخل الثورة إلى هذه المكونات أو تتناولها بالنقد. إنها ترى المجتمع البورجوازي وعالم الحاجات والعمل والمصالح الخاصة والحقوق الخاصة كأساسها لوجودها، كشرط لا يحتاج إلى البرهان، أي كأساسها الطبيعي. أخيرا يعتبر الإنسان، كعضو في المجتمع البورجوازي، الإنسانَ الحقيقي الذي يختلف عن المواطن لأنه الإنسان في وجوده الفردي المحسوس المباشر، بينما الإنسان السياسيهو الإنسان المجرد المصطنع فقط، الإنسان كشخص معنوي أخلاقي. ولا يتعرف على الإنسان الحقيقي إلا في هيئة الفرد الأناني، في هيئة المواطن المجرد.

يصور روسو تجريد الإنسان السياسي تصويرا صحيحا إذ يقول:

من كان يملك الشجاعة لإعطاء شعب النظام القانوني، يجب أن يشعر أنه قادر على أن يغير الطبيعة البشرية، أن يحول كل فرد يشكل بحد ذاته كلا كاملا، إلى جزء من كل أكبر يستمد منه هذا الفرد بطريقة معينة حياته ووجوده، و إحلال وجود جزئي معنوي محل الوجود الفيزيائي المستقل. عليه أن يسلب الإنسان قوته الشخصية ليعطيه بدلا منها قوة غريبة لا يستطيع أن يستخدمها إلا بمساعدة الآخرين (العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، 1782، ص 67)

إن كل تحرر هو إعادة العالم البشري والعلاقات إلى الإنسان ذاته.

التحرر السياسي هو تقليص الإنسان إلى عضو في المجتمع البورجوازي، أي إلى الفرد الأناني المستقل من جهة، وإلى المواطن المعنوي من جهة أخرى.

حين يستعيد الإنسانُ، الفردُ الحقيقي المواطنَ المجردَ إلى ذاته ويكون قد أصبح كإِنسان فرد في حياته التجريبية، في عمله الفردي وعلاقاته الفردية كائنا نوعيا وحسب، حين يكون الإنسان قد تعرف على قواه الخاصة كقوى اجتماعية ونظمها، فلا تنفصل القوة الاجتماعية في هيئة قوة سياسية، عندها فقط يكون التحرر الإنساني قد تحقق.

-2-
« قدرة يهود ومسيحيي اليوم على التحرر »

Einundzwanzig Bogen aus der Schweiz pp.56-71
الملزمة الحادية والعشرون، ص 56-71

تحت هذه الصيغة يعالج باور (2) علاقة الدين اليهودي و المسيحي وعلاقتهما بالنقد. فعلاقتهما بالنقد هي علاقتهما « بالقدرة على أن يكونا متحررين. »

ينتج عن ذلك:

« على المسيحي أن يرتفع درجة واحدة، أن يرتقي فوق دينه، لكي يتخلى عن الدين بشكل عام »،

أي أن يصبح حرا

« أما اليهودي فليس عليه بالعكس أن ينتهي من جوهره اليهودي فقط وإنما أيضا من تطور اكتمال دينه، من تطور بقي غريبا عنه. » (ص 71)

و هكذا يحول باور مسألة تحرر اليهودي هنا إلى مسألة دينية بحتة. الشك الأخلاقي اللاهوتي في من هو الأكثر حظا في أن ينال السعادة الأبدية، اليهودي أم المسيحي، يتكرر في صيغة أكثر تنورا، أي الاثنين أكثر قدرة على التحرر ؟ لم يعد السؤال مطروحا: هل تحرر اليهودية أو المسيحية الإنسان ؟ بل العكس:ما الذي يحرر أكثر نفي اليهودية أم نفي المسيحية ؟

« إذا أراد اليهود أن يتحرروا فإِنه لا يجوز لهم أن يعتنقوا المسيحية و إنما المسيحية الملغاة، الدين الملغى بوجه عام، هذا يعني التنوير، النقد ونتائجه، الإنسانية الحرة. » (ص 70)

لا يزال الأمر متعلقا باعتناق اليهود عقيدة ما، و لكن ليس اعتناق المسيحية وإنما المسيحية الملغاة.

يطالب باور اليهود بالتخلي عن جوِهر الدين المسيحي، وهي مطالبة كما يقول هو نفسه لا تنبثق من تطور الجوهر اليهودي.

و حيث لم يدرك باور، في نهاية المسالة اليهودية، الديانة اليهودية إلا كنقد المسيحية الديني الفج لها، فلا تكتسب لديه إلا أهمية دينية، صار من الممكن التكهن في أن يتحول تحرر اليهود لديه أيضا إلى عمل فلسفي لاهوتي.

يصوغ باور الجوهر المثالي المجرد لليهودي، أي دينه كجوهر كلي له. و يستنتج وهو في ذلك على حق:

« لا يعطي اليهودي للبشرية شيئا، حين يغفل تطبيق قانونه المحدود »، حين يلغي يهوديته بأكملها. (ص 65)

تصبح العلاقة بين اليهود والمسيحيين طبقا لذلك كما يلي: المصلحة الوحيدة للمسيحي في تحرر اليهودي هيإنسانية عامة (نظرية). فاليهودية هي واقع مهين في عين المسيحي الدينية. وحالما تكف عينه عن أن تكون دينية، يكف هذا الواقع عن أن يكون مهينا. أن تحرر اليهود في حد ذاته ليس عملا يناسب المسيحي.

و على العكس فلكي يحرر اليهودي نفسه ليس عليه أن يقوم بعمله فقط وإنما أيضا بعمل المسيحي، أي نقد الأناجيل الأربعة و حياة يسوع، الخ.

« عليهم أنفسهم أن يروا: سيقررون مصيرهم بأنفسهم، فالتاريخ لا يسمح أن يسخر منه. » (ص 71)

إننا نحاول أن نحطم الصيغة اللاهوتية للمسألة. تحيلنا مسألة قدرة اليهودي على التحرر إلى مسألة: ما هو العنصرالاجتماعي الخاص الذي يجب التغلب عليه لإلغاء اليهودية ؟ فقدرة يهود اليوم على التحرر هي علاقة اليهودية بتحرر عالمنا الراهن. تتأتى هذه العلاقة بالضرورة من الموقع الخاص لليهودية في عالمنا المستعبد الراهن.

لنتأمل اليهودي الدنيوي الواقعي، ليس يهودي السبت كما يفعل باور، و إنما اليهودي العادي.
لن نبحث عن سر اليهودي في ديِنه وإنما عن سر الدين في اليهودي الواقعي. ما هو الأساس الدنيوي لليهودية ؟ الحاجة العملية، المنفعة الخاصة. ما هي العبادة الدنيوية لليهودي ؟ التجارة. ما هو إلهه الدنيوي ؟ المال.

حسنا ! سيكون التحرر من التجارة والمال، أي من اليهودية العملية الواقعية تحرير عصرنا لنفسه.

إن تنظيما للمجتمع يلغي التجارة، أي إمكانية التجارة، يجعل وجود اليهودي مستحيلا. سينحل وعيه الديني مثل بخار باهت في هواء الحياة ْالحقيقية للمجتمع. ومن جهة أخرى: إذا أقر اليهودي ببطلان جوهره العملي هذا وعمل على إلغائه، فإنه يعمل انطلاقا من تطوره حتى هذا الوقت، في التحرر البشري العام وينقلب ضد أقوى تعبير عملي للاغتراب الإنساني عن الذات.

و هكذا فإِننا نتعرف في اليهودية على عنصر لاإجتماعي عام راهن دُفع إلى ارتفاعه الحالي من خلال التطور التاريخي الذي أسهم فيه اليهود من هذه الناحية السيئة بحماسة، إلى ارتفاع لا بد له فيه من الانحلال.

إن تحرر اليهود هو في معناه الأخير تحرر البشرية من اليهودية.

لقد تحرر اليهودي فعلا على طريقته اليهودية.

« إن اليهودي الذي لا يُقَبَل في فيينا مثلا إلا على مضض، يتحكم من خلال سلطته المالية بمصير المملكة كلها. واليهودي الذي يمكن أن يكون بلا حقوق في أصغر دولة ألمانية يقرر مصير أوروبا. وبينما تبقى الطوائف المهنية والروابط مقفلة أمام اليهودي أو لا تميل إليه، تسخر شجاعة الصناعة من تعنت مؤسسات القرون الوسطى. » (ب. باور، “المسألة اليهودية”، ص 114)

ليست هذه حقيقة وحيدة. لقد تحرر اليهودي على الطريقة اليهودية، ليس فقط بامتلاكه سلطة المال وإنما أيضا بأن أصبح المال من خلاله وبدونه سلطة عالمية، وأصبح روح اليهودي العملية الروح العملية للشعوب المسيحية. لقد تحرر اليهود بالقدر الذي أصبح فيه المسيحيون يهودا.

يروي العقيد هاملتون على سبيل المثال:

« أن ساكن انكلترة الجديدة الورع و الحر سياسيا هو نوع من الكاهن لاوكون، الذي لا يبذل أقل جهد ليتحرر من الأفاعي التي تلتف حوله. إن عبد المال هو وثنها، إنها لا تصلي له بالشفاه وحدها وإنما بكل قوى أجسامها ومشاعرها. ليست الأرض في نظرها سوى بورصة، وهي مقتنعة أن لا قدر لها في هذه الدنيا سوى أن تصبح أغنى من جيرانها. لقد سيطرت التجارة على جميع أفكارها، وأصبحت تسليتها الوحيد تغيير الأشياء. تحمل حين تسافر أمتعتها التافهة أو مكتب تجارتها على ظهورها، ولا تتحدث عن شيء غير الفوائد والأرباح. وإذا ما غابت تجارتها عن أعينها لحظة فإِنما يحدث ذلك فقط لتتجسس على الآخرين. »

نعم، لقد بلغت سلطة اليهودية على العالم المسيحي في أميركا الشمالية التعبير الطبيعي الذي لا لبس فيه حتى أن التبشير بالإنجيل نفسه ووظيفة التبشير المسيحي أصبحا بضاعة يتاجر بها، والتاجر المفلس في الإنجيل يفعل ما يفعله الإنجيلي الذي أصبح ثريا في التجارة.

« فذلك الذي يقف على رأس رهبانية محترمة قد بدأ تاجرا، ولأن تجارته أخنقه أصبح رجل دين، وبدأ آخر بوظيفة الكاهن وما أن أصبحت لديه كمية معينة من المال حتى استبدلها بالتجارة. والوظيفة الدينية هي سيرة مهنية في نظر الغالبية فعلا. » (بومون، 1، ص 185-186)

و وفقا لباور فإِنه

« لوضع كاذب أن تحجب عن اليهودي الحقوق السياسية على الصعيد النظري، بينما يملك في الواقع العملي قوة هائلة ويمارس تأثيره السياسي الكبير حتى لو كان محددا في التفاصيل. » (المسألة اليهودية، ص 114)

إن التناقض بين السلطة السياسية العملية لليهودي وحقوقه السياسية هو التناقض بين السياسية وسلطة المال بشكل عام. فبينما تحتل الأولى نظريا مكانا فوق الثانية، فإِنها في الواقع مستعبدة لها.

لقد عاشت اليهودية إلى جانب المسيحية ليس فقط كنقد ديني للمسيحية، ليس فقط كشك متضمن في الأصل الديني للمسيحية، وإنما أيضا لأن الروح العملية اليهودية، لأن اليهودية بقيت في المجتمع المسيحي نفسه وحصلت حتى على أعلى نمو لها. فاليهودي الذي يعتبر عضوا خاصا في المجتمع البورجوازي ليس سوى الظاهرة الخاصة ليهودية المجتمع البورجوازي.

لقد بقيت اليهودية ليس رغما عن التاريخ وإنما من خلال التاريخ.

فالمجتمع البورجوازي يولد من أحشائه الخاصة اليهود دون انقطاع.

ما هو أساس الدين اليهودي في ذاته ؟ الحاجة العملية، الأنانية.

و من هنا فإن توحيد اليهودي هو تعدد الآلهة بتعدد الحاجات، هو تعدد آلهة يجعل من بيت الخلاء نفسه موضوعا للقانون الإلهي. الحاجة العملية، الأنانية، هي مبدأ المجتمع البورجوازي، وتبرز على هذا النحو حالما يكون المجتمع البورجوازي قد أتم ولادة الدولة السياسية. إن إله الحاجات العملية والمصلحة الذاتية هو المال.

المال هو إله إسرائيل المتحمس الذي لا ينبغي أن يوجد أمامه إله آخر. يحط المال من قيمة جميع آلهة الإنسان الأخرى ويحولها إلى سلعة. المال هو القيمة العامة القائمة بذاتها لجميع الأشياء. ومن هنا فقد نهب من العالم كله، عالم الإنسان والطبيعة قيمته الخاصة. المال هو الجوهر الغريب عن الإنسان وعمله ووجوده، وهذا الجوهر الغريب لا يسيطر عليه و حسب، وإنما يجعله يعبده.

لقد أصبح إله اليهود دنيويا، وصارت الصيرفة هي الإله الحقيقي لليهودي. إلهه هو الصيرفة الوهمية وحسب.

إن النظرة إلى الطبيعة، تلك التي تنشأ في ظل سيادة الملكية الفردية و المال تعني الاحتقار الحقيقي والحط العملي من قيمة الطبيعة اللذين يوجدان في الديانة اليهودية حقا، ولكنهما يوجدان في الوهم فقط.

يعلن توما مونتسر [في منشور 1524] بهذا المعنى أنه أمر لا يطاق

« أن تكون جميع المخلوقات قد حولت إلى ملكية، الأسماك في الماء، الطيور في الهواء، النباتات على الأرض – يجب أن تكون المخلوقات حرة أيضا. »

إن ما هو مجرد في الدين اليهودي هو احتقار النظرية والفن والتاريخ والإنسان كغاية بحد ذاتها، هذا هو الموقف الحقيقي الواعي، فضيلة إنسان المال. أما علاقة النوع ذاتها، العلاقة بين الرجل والمرأة ..الخ فإنها تصبح موضوعا للتجارة ! تصبح المرأة بضاعة يتاجر بها.

إن القومية الخرافية لليهودي هي قومية التاجر، إنسان المال بشكل عام.

و قانون اليهودي الذي لا أساس له ليس سوى الكاريكاتير الديني للأخلاقية التي لا أساس لها وللقانون بوجه عام وللطقوس الشكلية وحسب، تلك التي يحيط عالم المنفعة الذاتية نفسه بها.

العلاقات القانونية هي هنا أيضا العلاقات الأسمى، العلاقات إزاء قوانين لا تشمله، لأنها انبثقت من إرادته وكيانه الخاصين، وإنما لأنها سائدة و لأن الخروج عليها معاقب عليه.

إن اليعقوبية اليهودية، اليعقوبية العملية نفسها التي يحيلنا باور إليها في التلمود، هي علاقة عالم المنفعة الذاتية بالقوانين السائدة فيه والتي يشكل الالتفاف الذكي عليها الفن الرئيس في هذا العالم.

أجل، إن حركة العالم ضمن قوانينه هو إلغاء حتى للقانون.

نظريا، لم تستطع اليهودية كدين أن تتطور لأن نظرة الحاجة العملية إلى العالم ضيقة الأفق بطبيعتها، تستنفد بعد وقت قصير.

لا يمكن لدين الحاجة العملية بطبيعته أن يبلغ الكمال في النظرية وإنما في التطبيق، لأن حقيقته هي التطبيق.

لم تستطع اليهودية أن تخلق عالما جديدا، وإنما استطاعت فقط أن تجتذب مبتكرات العالم الجديدة وأوضاع العالم إلى مجال نشاطها، لأن الحاجة العملية التي تكون المنفعة الذاتية عقلها، تقف موقفا سلبيا منها ولا تتسع حسب الرغبة وإنما تجد متسعها مع استمرار تطور الأوضاع الاجتماعية.

بلغت اليهودية نقطة الذروة باكتمال المجتمع البورجوازي، لكن المجتمع البورجوازي لا يكتمل إلا في العالمالمسيحي. في ظل المسيحية فقط، التي تجعل جميع العلاقات الوطنية والطبيعية والأخلاقية والنظرية شيئا ظاهريبالنسبة للإنسان استطاع المجتمع البورجوازي أن ينفصل عن حياة الدولة انفصالا تاما ويمزق جميع روابط النوع ويضع الأنانية وحاجة المنفعة الذاتية مكان رابطة النوع ويحل عالم الإنسان في عالم من أفراد مفتتين يعادىِ بعضهم بعضا.

لقد انبثقت المسيحية من اليهودية. ثم عادت وذابت في اليهودية.

لقد كان المسيحي منذ البدء هو اليهودي المنظر، واليهودي من هنا هو المسيحي العملي، وقد أصبح المسيحي العملي يهوديا ثانية.

لقد تغلبت المسيحية على اليهودية الواقعية في الظاهر فقط. وقد كانت أكثر سموا وأكثر روحانية من أن تلغي فجاجة الحاجة العملية بطريقة أخرى غير تصعيدها إلى أثير.

المسيحية هي الفكرة النبيلة لليهودية واليهودية هي الاستخدام العادي للمسيحية، ولكن هذا الاستخدام لم يستطع أن يصبح عاما إلا بعد أن استكملت المسيحية كدين ناجز اغتراب الإنسان عن نفسه وعن الطبيعة نظري.

عند ذاك فقط استطاعت اليهودية أن تصل إلى السيطرة العامة وتبيع (تغيب) الإنسان والطبيعة المتخلى عنهما وتجعلهما قابلين للبيع، وموضوعا لعبودية الحاجة الأنانية والتجارة.

البيع [verausserung] هو الجانب العملي للتخلي (الإغتراب) [Entausserung]. كما يحول الإنسان كيانه إلى شيء ما دام أسير الدين، بأن يجعله كيانا خياليا غريب (مغيبا)، فإِنه لا يستطيع تحت سلطة الحاجة العملية إلا أن ينشط بطريقة عملية، فينتج أشياء عملية بأن يضع منتجاته وكذلك نشاطه تحت سيطرة كائن غريب ويمنحها قيمة كائن غريب –المال–.

تتحول الأنانية الروحية المسيحية في عمله الكامل بالضرورة إلى أنانية الجسد اليهودية، الحاجة السماوية إلى حاجة أرضية، والذاتية إلى منفعة ذاتية. إننا لا نفسر صلابة اليهودي بدينه بل بالأساس البشري لدينه،الحاجة العملية، الأنانية.

و لأن الجوهر الحقيقي لليهودي قد تحقق بشكل عام في المجتمع البورجوازي، و أصبح دنيويا، لم يستطع المجتمع البورجوازي إقناع اليهودي بوهمية جوهره الديني الذي هو ليس سوى المفهوم المثالي للحاجة العملية.

و هكذا فإِننا لا نعثر على جوهر يهودي اليوم في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وفي التلمود وحسب، وإنما نجده في المجتمع الراهن، ليس كتجريد وإنما ككائن على أعلى درجة من العملية، ليس فقط كضيق أفق اليهودي وإنما كيهودية المجتمع ضيقة الأفق.

حالما ينجح المجتمع في التغلب على الجوهر العملي لليهودي، على التاجر و شروطه، يصبح وجود اليهودي مستحيلا، لأن وعيه لا يعود يملك موضوعا، و لأن القاعدة الذاتية لليهودية، وهي الحاجة العملية قد اتخذت طابعا إنسانيا، لأن النزاع بين الوجود الفردي المحسوس وبين وجود النوع البشري قد ألغي.

إن التحرر الاجتماعي لليهودي هو تحرر المجتمع من اليهودية.

كتب في آب – ديسمبر 1843
(الحولية الألمانية الفرنسية، باريس 1844)

- الدين لله والهمبرغر للجميع!

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on ديسمبر 8, 2011


أصبحنا وأصبح الملك لله.

بينما أكتب هذه السطور. أعرف بأن هنالك من يحاول تقطيع شرايينه في الحمام, وعاشق يفكر برمي نفسه من أعلى الجسر, و مناضل معذب شريف يرقد على وجهه في فندق قذر بوطن أقذر , مغلق العينين يتأمل أعماقه الحزينة, وفقير: يغلقون على يده الباب, وسجين يكتب عن وحدته وهو يغني, ومغترب يتأمل كل صباح ملامحه في مرايا الصمت والحنين, وفأر على سفينة بورجوازية يمارس حياته اليومية بالهرب من المصيدة ويحاول أن يسيطر على شهوته القوية أمام قطعة الجبن المسممة, والملايين في افريقيا وشتى بقاع العالم يحتضرون من البرد والجوع والقهر, وانطلاقاً من مقوله جدو ماركس ألتي دائماًً ما يتم اقتطاعها من جملتها الكاملة بشكل ظالم لذالك لن يزعل مني لو عبثت بها قليلاً وعصرنتها: الدين هو همبرغر المخلوق المضطهد, كاتشيب من لا كاتشيب له, مايونيز ظروف لا روح لها, الدين إنهُ ماكدونالدز الشعوب! ماركس ألذي لم يشغل نفسه بالتفكير في سؤال الفلاسفة الديمومي: لم خلق الانسان؟ ومين ياترى شرف علحياة أولاً : البيضة أو الدجاجة ؟ الرطوبة أو البعوض؟ اللغة أو اللسان؟ الحزن أو الفرح؟ المرأة أو الخطيئة؟ القضاء أو القدر؟ صدر اليسا أو العزيمة أو العولمة أو مين بالضبط؟ بل فضل ببساطة السعي خلف السؤال الأهم : كيف يعيش الانسان؟ ليس موضوعنا.

يؤسفني أن أخبرك بأن خوض أي معركة جانبية مع الشيعة سواء عامتهم أو الـ VIP يشبه خوض معركة مع الهمبرغر. همبرغر ماكدونالدز تحديداً! أعرف بأنك تتضور جوعاً لمعرفة الرابط التجاري الاستهلاكي العجيب بين الشيعة وهمبرغر ماكدونالدز. إلا أنني لن أخبرك وسأتركك تفكر وتقول بداخلك : هذا إما عبقري أو مخبول! إذا وقع اختيارك على الكلمة الثانية: أرجو أن تأخذ بعين الاعتبار إدماني اللا محدود على الأندومي في الفترة الأخيرة.

كل طائفة تخبّئ تحت إبطها كتلة من الأحقاد المالحة الراكنة في قاع تشكيلها للوعي. البعض يخبئها في خزائنه لأنها قد صغرت عليه وصار وعيه أكبر منها إن صح التعبير. البعض يمسك بشواربه ويشد قبضته ويضرب على الطاولة ويسارع في الرد على الشبهات واجهاض أفكار الآخر كي يلحق بالمسرحية من أوّلها. أعتقد بأن الانسان المهزوز إيمانياً يميل إلى الدونجوانيّة الاستعراضية الطائفية أكثر من غيره وهذا مايحثه على التحول من انسان مسالم ومعتدل إلى برغوثة غاضبة وعدوانية ودك تلعن جدف جدفها بنت الكذا والهكا لأن لا صِهر لهذا الانسان إلا الروائح الكريهة المنبعثة من سطل براز ثقافته الفاشية وأوهامه الراديكاليّة الأندلسية بأنهُ يخوض آخر وأهم معارك الله على الأرض. ويعتقد بأنه محامي قبيلته, وهرقل عقيدته, ويتصرف كما لو أنه زعيم خارق, مؤمناً بأنه لو ألقى بجسده على الحشود الجماهيريّة لتهافتوا للقفه. نصيحة رومنطيقية, فجرية, صرصورية, شخصية لك : بلاش عباطة واوعى تقفز!

- أتساءل: هل سبب تكاثر المواضيع العنصرية الطائفية واقبال الناس عليها بسبب كثرة المعوقين فكرياً؟ المشوهين نفسياً؟ الممسوخين أخلاقياً؟ المفلسين ثقافياً؟ الأميين منطقياً؟الشحاذين روحانياً؟ المهمشين اجتماعياً؟ المشلولين نقدياً؟ المعطوبين عاطفياً؟ المتوحشين قلبياً؟ الموتى حياتياً؟ الخائفين مستقبلياً؟ المكبوتين بطيخياً؟ المتنيلين على عينهم استحمارياً؟ أم ماذا بالضبط؟

إنّ أفكار كهذه لايمكن أن تصدر من طهرانيه خالصة أو نوايا سلمية – سلمية. نغمها كما تريد! فالمسألة تحمل بُعد سياسي واجتماعي وفسوخ ايدولوجي في ثقافة سائدة بالاحتقان يتم التستر عليها واحتكارها في رسم قوس قوح رافضي مشرق في سماء ناصبية صافية والأمور طيبة واحنا بخير! المسألة أعمق من اعتراض عابر, أو هجوم بربري موسمي على معتقدات مذهب آخر. فلا داعي لأن نكذب على أنفسنا. لا داعي لأن نرفع شعارات رومانسية طوبرية مثل – التركيز على نقاط الالتقاء بين المذهبين وماشابه – فهذا لن يزيد الطين إلا بله! بل الأنيل من ذالك من تمنعه عنصريته وعنجهيته وحقده الفطري كما يبدو على الشيعة بشكل عام في تأمل أحداث هذه الملحمة الوحشية وآثارها وتوابعها على الطائفتين بنظرة علمية مستقلة. بل الأنيل والأنيل من هذا كله من يحاول أن يقف على الحياد في مسألة مفصلية كواقعة كربلاء وينزلها إلى مستوى العادية ويقول وأوراق الخريف تتساقط من خلفه, وصوت الكمنجة الحزين يتشابك مع صوته : سيدنا آل بتشينو رضي الله عنه ئتل سيدنا روبرت دينيرو رضي الله عنه!

يذكر أحد المفكرين الرومان في القرن التاسع عشر أن الملكيّة السيئة تؤدي إلى الجمهورية, والجمهورية السيئة تؤدي إلى الاستبداد. أضيف على كلامه : الاستبداد الجماعي في المجمل يقوي النزاعات الطائفية. فالعيش الإكراهي بنمط حياة تقليدية مكررة وغياب الحريات يؤديان إلى نشوء أمراض ذاتية معقدة. إنّ العنصرية الدينية أو المذهبية أو العرقية أو اللونية أو الجنسية ليست مشكلة جديدة تم اكتشافها قبل اصدار موبايلي عروضها السحرية الأخيرة بقليل! ولا توجد بيانات موثقة عن إجمالي عدد الأشخاص ألذينّ يضمرونها في عقولهم وقلوبهم وأرصدة لا-وعيهم الوضيعة, ولا يمكننا احتكارها على طبقة معينة من الأجناس الاجتماعية أو طائفة مركزية محددة. يقول الأندلسي الجميل أبو وليد الوقاصي : إن للناس علمين فقط . علم حق لا يمكن أن يصلوا إلى حدوده أبداً, وعلم كاذب لا ينفع! ويقال بأن الرسم: هو الانسان ضدّ نفسه. كان من الأجدر أن يقال أن الطائفية: هي الانسانية كلها ضد جميع ذواتها!

لا فائدة من الإلماح رمزاً أو الافصاح تحليلاً. ففكرة ايجاد مقياس عقلي دقيق يقتنع به كل أحد ضرب من الغباء والخيال. فهذا الطفل أو الرجل الشيعي حتى لو ضرب رأسه بفأس أو سيف أو خاشوقة أو بازوكه أو كلينيكس أو وردة : لن يرضي السني العاجز أساساً على استعياب أن مايحركهم ويدفعهم على القيام بهذا الفعل علانية – المشمئز بنظري – هو حبهم و بحثهم وأملهم في الثواب لا الألم. مثله مثل البني آدم ألذي يلف خصره بحزام ناسف ويحشو دبره بالمتفجرات. مع فارق الأذى موضوعياً على المستويين: الاقليمي والعالمي. فكما أن البعض يعجبه التطبير أو التفجير أو اللطم أو الشتم أو سماع فتوة تكفيرية بين الفينة والفينة: البعض الآخر ببساطة يحتقرها. يحتقرها لأنه غير قادر على تقبلها. فلذالك من منتهى السخافة والتفاهة انتهاز هذه الظواهر وأخذها على أنها ذريعة مناسبة أو منهجية فكرية يبني عليها الانسان انحيازه ويبرر بهم تعصبه المقيت فهو هكذا كمن يحاول أن يتخلص من شعور هو لا يشعر به أساساً!

ما أريد قوله معقد قليلاً. لماذا الانسان العربي صار يتمنى الموت كي يبقى على قيد الحياة؟ إنّ الشعور بالدونية هو مقبرة الأخلاق. ربما لهذا السبب نجد بأن الهجمات دائماً ما تبدأ من طرف الطائفة السنية أغلب الأوقات. أنا هُنا لا أعني الهجمات الشخصية. بل أعني انعكاس الصراعات السياسية الطولية على محتوى الهجمات العرضية الفردية. لن يفهم الجملة الأخيرة ألتي كتبتها إلا ناصر الجوهر. لذالك: وكي أكون أكثر وضوحاً وجدية ومن منطلق موضوعي بحت: يبدو لي بأن الانسان السني البسيط محبط وفاقد لهويته أكثر من الانسان الشيعي البسيط لأسباب عديدة أهمها: الانقسامات السنية – السنية الداخلية والطريقة المهينة أوالنهايات المذلة لحكامهم واستقبال مزبلة التاريخ لمعظم رموزهم بالفترة الأخيرة وتفاقم القوة الايرانية وانتصارات حزب الله. قال يوسف ادريس مرّة: انّ في العالم قوتان مخيفتان تهددان البشرية هما ألمانيا الغربية – قبل توحيد الالمانيتين – واليابان. ويعود سبب هذا الاستنتاج إلى ماحققوه من أشياء مهمة في مجالات متعددة وميادين متفرقة أهمها في ميادين التقدم الصناعي. وكل منهما لديه عقدة قوية. الألمان يعانون من عقد التفوق: لديهم شعور بأنهم مبدعون ومتفوقون أكثر من الشعوب الأخرى. اليابانيون على النقيض: يعانون من عقدة الدونية! وهاتان العقدتان تدفعان الدولتين للتغلب على العالم. اشبه قادة الشيعة اليوم بالألمان والسنة باليابان. إلا أن الحقيقة الأهم والغائبة عن نظرنا في فوضى طائفيتنا هي : كلنا معذبون. كلنا خنافس مشوية في أيدي الحكومات والمشاريع الإمبريالية. كلنا حمير بامتياز عميق عند من يشغلون المناصب العليا في البلاد. تتطفح جثثنا في الشوارع بالتساوي وتصعد أرواحنا للغيب وهي زاحفة عبر بخار الفساد وعفن الضمير. انّ الاننشغال في الصراعات المذهبية غير مجدٍ. علينا عدم الانزلاق فيها على الرغم من أننا فعلنا ذالك وخلصنا!

أستغرب من ألذينّ يعتقدون بأنهم قد وصلوا بايمانهم النسبي إلى الحقيقة المطلقة. أستغرب: كيف لطائفة مضطهدة أن تضطهد طائفة أخرى هي أوردي مضطهدة؟ كيف للمسلمين وهم يعانون اليوم من ويلات حرائق الاستبداد والاستهزاء والتحقير والاحتلال والاذلال أن يحولوا غضبهم وأذاهم ومعاناتهم وثورتهم صوب بعضهم البعض؟ أستغرب من ألذينّ هم دائماً على أهب الاستعداد والجهوزية عند وقع أي حدث طائفي أو مصيبة فردية أو تصرفات شاذة. تجده يحفظ دوره جيداً, فمقاطع اليوتيوب دائماً جاهزة, الجماهير في مقاعدها, لا مجال للسير الارتجالي أو الغلط, نفوس الحاضرين, عواطفهم, انفعالاتهم مشدودة, المخرج يصرخ: ستاند باي, كلاكيت 1400 مرة, آكشن! تأخذه الحماسة, فيضرب بتعليمات المخرج عرض الحائط, ينسى نفسه على خشبة المسرح ولا ينزل عنه إلا بعد أن يولعها على الآخر. المؤسف في كل هذا العرض أن الأغلبية تصفق له بحرارة, لكن الأسف الأكبر أن نصدق بأن الأغلبية هي من صفقت!

فعلى هذا, أيها الشعب الازدواجي. أيها الشعب ألذي نصفه مغرر به والنصف الآخر ملعوب عليه: نحنُ بحاجة إلى مواجهة القمع المرير بشجاعة حُلوة مشتركة وتوحيد سلوكنا وكلامنا وتحقيق مايشبه المعجزة بعدم الانخراط في المهاترات الطائفية السنية / الشيعية. علينا بالسعي الحثيث نحو اكتشاف ذواتنا الصالحة وجوهر الأشياء الحياتية والحصول على الحرية بمعناها الانساني الشامل. ان صراع المضطهدين مع بعضهم البعض أمر كارثي على جميع المستويات ويقوي الخرائب في أعماق وعينا الاجتماعي. النزاعات الطائفية: معارك لا يفتعلها إلى المرضى النفسيين الساعيين لتدمير الانسان بمنتهى الوحشية والقسوة والحط من كرامته بكل ماتحمل الكلمة من معنى وجودي عميق.

كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل ولا تنسوا أن تركزوا على الهمبرغر!

- بابلو نيرودا.

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on نوفمبر 13, 2011
.
.
ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته، مكررا نفسه كل يوم. ذاك الذي لا يغيّر ماركة ملابسه ولا طريق ذهابه الى العمل ولا لون نظراته عند المغيب. ميت هو ذاك الذي يفضّل الأسود والأبيض والنقاط على الحروف بدلا من سرب غامض من الانفعالات الجارفة، تلك التي تجعل العينين تبرقان، وتحوّل التثاؤب ابتسامة، وتعلّم القلب الخفقان أمام جنون المشاعر. ميت هو ذاك الذي لا يقلب الطاولة ولا يسمح لنفسه ولو لمرة واحدة في حياته بالهرب من النصائح المنطقية. ذاك الذي لا يسافر ولا يقرأ ولا يصغي الى الموسيقى، ذاك الذي لا يقبل مساعدة احد ويمضي نهاراته متذمرا من سوء حظه أو من استمرار هطول المطر. ميت هو من يتخلى عن مشروع قبل ان يهم به، ميت من يخشى ان يطرح الأسئلة حول المواضيع التي يجهلها، ومن لا يجيب عندما يُسأل عن أمر يعرفه. ميت ٌ من يجتنب الشغف ولا يجازف باليقين في سبيل اللايقين من اجل ان يطارد احد أحلامه.

مقطع من : بيان من أجل شيوعية تحررية / فرنسا.

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on نوفمبر 13, 2011
.
.
صراع ثوري

نحن ثوريون، أي أننا نؤيد تغييراً جذرياً للمجتمع. يسعى الصراع الطبقي أن يقود إلى تغيير سلم الأولويات والمعايير في المجتمع. يمكن أن يحل الصراع الطبقي علاقات إنتاج ذاتية الإدارة محل العلاقات الرأسمالية؛ أن يحل ديمقراطيةً ذاتية الحكم وفدرالية محل الدولة؛ أن يحل علاقة عالمية مساواتية جديدة محل النظام الإمبريالي.أن نكون ثوريين فهذا لا يعني أن نكون سلبيين وأن ننتظر قطيعةً “سوف تقوم لا محال”: ليس المستقبل مكتوباً في أي مكان، إنه ما سوف يصنعه الناس، وعند كل حقبة تاريخية تتعدد الإمكانات. ليس ثمة سبب يبرر مقولة أن التاريخ وصل إلى مرحلة أخيرة: الرأسمالية ليست الشكل الأخير للمجتمع الإنساني. إلا أن الاشتراكية ذاتية الإدارة لن تأخذ محل الرأسمالية ميكانيكياً، في نهاية “أزمة أخيرة” ذات مخرج واحد.

أن نكون ثوريين، هذا لا يعني كذلك أن نقطع أنفسنا عن شروط حياة ونضال محدودة فرضها الإطار الرأسمالي، طالما لم يتمَّ بعدُ القضاء على الرأسمالية. نحن نرفض مقولة “الكل أو اللا شيء” ونؤكد على العكس من ذلك أن الطريق الذي يمكن أن يمهد لثورة مقبلة يقوم عبر تناقضات المجتمع الواقعي، وعبر النضالات الجزئية التي يجب خوضها. نحن نرى أن القطيعة الثورية والانتقال من مجتمع رأسمالي إلى مجتمع ذاتي الإدارة هي ثمرة سيرورة صراع طبقي تاريخية وطويلة المدى، كما ثمرة ترشيد وعي الناس حيث يفرض الشغيلة والسكان سلطتهم المضادة تدريجياً.

كثوريين نحن لسنا بالضرورة مؤيدين لحل عنفي. الأساسي في سيرورة التغيير هو العمل البناء الذي يفترض أن يدافع الناس عن ذاتهم للحفاظ على المكتسبات. إلا أن درجة العنف هي أولاً ما تختاره وتفرضه الطبقات الحاكمة المنتصر عليها. يمكن إذاً أن يكون العنف ضرورياً. يجب بالتالي أن نكون حذرين، كي نتنبه لتجاوزات ولخطورة العسكرة.

ما عدا في حالات الحكم الدكتاتوري أو الاحتلال العسكري أو الكولونيالي، نحن معادون للعمليات الأقلوية (الفردية) العنيفة التي تقوم بها مجموعات مسلحة مقطوعة عن السكان والشغيلة، كما نحن نعارض القيام بعمليات تهدد حياة الناس. إن النشاط الأقلوي المسلح القائم في ظروف كهذه يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة ويشرع تعزيز قواها ويؤدي إلى انعزال بارانويي.

من ناحية أخرى، في إطار الرد النضالي لدى الجماهير ينزع النظام البوليسي والقضائي إلى تجريم أشكال عديدة من النضال الطبقي الجماهيري. لذا فإن علينا أن نقيم خط تماس واضح بين الأعمال الأقلوية المنعزلة والأشكال القاسية التي يمكن أن تتخذها نضالات الشغيلة والناس للدفاع عن مكتسباتها وعن نضالاتها.

كذلك نحن لا نخلط بين العمل المسلح الأقلوي وبين اللاشرعية التي تفرضها على التنظيمات الثورية والطبقة العمالية دولة قوية تتنكر لحق الإضراب أو التظاهر. كما لا نرى في العمل الرمزي للأقليات ضد رموز السلطة والاستغلال مجرد إرهاب أعمى.

أخيراً تجدر الإشارة إلى أن إرهاب الدولة هو المسؤول في أغلب الأحيان عن الأعمال المسلحة الأقلوية (التي يقوم بها مجموعة أفراد)، لا سيما في البلدان المستعمَرة.

خلاصة القول إن عمل الثوريين لا يمكن تحديده بمفهوم احترام الشرعية المفروضة من الدولة، بل هو يتطور طبقاً لوعي الجماهير التي تحدد هي، في نهاية المطاف، معيار مشروعية الأعمال النضالية.

نص مقرَّر
في 18-19-20 أيار 1991.

- وذهبت ..

Posted in أيامُ اشتراكية. by حليمْ on نوفمبر 13, 2011

.
.
أتيت الاولاد المشردين بالأوراق
وسألتهم ان يرسموا اشجاراً
فرسموا اغصاناً طويلة فارغة
نائمة على الارض
وعليها مدفع وعسكر
فقلت: لا، الا هذا
ارسموا زهراً وبيتاً
فرسموا زهوراً ملقاة في مياه المطر 
و العسكر يدوسها
وقلت: لا، الا هذا
ارسموا عصفوراً يغني
كما كنتم ترسمون من قبل
فرسموا عصفوراً يبكي
و المطر يهطل
فسكت واخذت الاوراق
وذهبت ..


-زياد الرحباني، كتاب صديقي الله،
كتبه وعمره لا يزيد عن 12 ربيعاً.

فتفتات قديمة.

Posted in + لم أفصح عن شيء بعد . by حليمْ on أكتوبر 2, 2011
1
نحنُ نحصل على ما نريدهُ ونخسر ما نتمناه. العقل فارغ، والكلامُ, كلامْ. ما مِن شيء واقعي في حياتي سوى الألم واللحظات السعيدة – الدخيلة عليّ – الكافية لجعلي حيّ مؤقتاً. اللحظات ألتي اسرقها من جيبكِ كحرامية أتوبيسات القاهرة وألتي أحياناً تعطينني إياها كإكرامية أو كشفقة. الأغاني حرام. الموسيقى لاتزال ضائعة بين فتوة شيخ وبين تعصب منفتح. الحلال حرام. والحرام حلال. بدأت أشك بأنني إبن حرام! 
2
اللقيط سيكبر. ربما سيصبح مدير عام. ربما مغنى في برنامج للهواة. وربما سينحرف ويصبح من جماعة الإخوان المتنعترين. القمر مخلوق عادي والشعراء كذابون وماعندهم سالفة, فهم جعلوا منه منارة للجمال وهو مجرد جرم مشوه جملتهُ رومانسية الأفلام وشاعرية الأقلام. الأحلام تمام . ألم يفكر القمر بإجراء عميلة تكبير للضوء. أو نفخ لفجواته القبيحة. الخيال ببلاش. والواقع إبن ستة وتسعين كلب. أو ربما أنا كلب وأحلامي هرة عرجاء!
3
الحُكام عِظام. لكنهم ليسوا كِلاب. حاشا الإله! يا للفاجعة: نحنُ نحب العيش تحت وطأة السلاسل والاستعباد الطوعي. نُحب خرخشة الأجراس في أعناقنا. الخُبز طعام أولاد ألله. ونحنُ على باب ألله ننتظر خبز الملائكة كما هو مكتوب هناك. تعتقد جمانة حداد بأن يهوذا أول منتحر في التاريخ الحديث عندما قرر خيانة سيدنا السيد المسيح. لا يهم . كلنا سنموت. مع اختلاف الزمان و المسيح. المُخدرات دمار. الحشيش وربي لطيف وغير مؤذي كالحب!

4
الخمر شراب أصدقائي المفضل. أصلاً وحقاً الصداقة مضيعة للوقت. الصديق حكم غشاش. والصدوق الصداق الصادق الوعِدِ مات مِن زمان أيها الإمام. ألله ليس واحد مِنا. نحنُ لسنا أنبياء. أنا شيطان . افهمي: إنكِ مُجرد فتاة. الفتاة ألتي أحتفظ بدبلة لها في حلقي: مُجرد فتاة. القصيدة خطيئة الإنسان.القصيدة خطيئتي والقوافي بالنسبة ليّ ثلاث خشبات. النثر مضيعة للوقت. النثر يقودني للحزن. النثر مجموعة عبارات جبانة تمارس جبروتها عليّ وتخاف مِن نقطة آخر سطري. من أطلق على الشعراء: شُعراء هو شخص عنصري. نساني ونسى النثراء أمثالي.
5
البلي ستيشن: جهاز صغير ينقلني من صالون شقتي إلى عالمٍ خيالي يخلوا من الروائح والأرواح. مليء بالأحداث والجدران الوهمية وكلما تعمق العلماء والمخترعين في الألفية كلما أكلوا بعقولنا حلاوة. حياتي دائرية الأبعاد. ألذي اخترع السوني أيضاً عنصري. ويحب المثلثات. أنا لست أبيض. ولا أعتقد بأنني أملك شجاعة مايكل جاكسون. هذا الكون إما قائم على العنصرية. أو قائم على الجنون. الحُب. الحُب. ألم يفكر أحد بتحويل الحُب إلى لعبة على السوني أو في الجوال كبديل للعبة الويننج إليفن أو لكول أوف ديوتي أو لِـ لعبة سنيك المُملة.
6
الحُب: هوَ اللعبة الأكثر مبيعاً منذ قديم العصور. من حتى قبل اختراع الهواتف والمسنجر والمنتديات. أنا لاعب احتياطي مُميز. لم أأخذ فرصتي كاملة. نرجع في هذه النقطة لمسألة العنصرية: كان مدربي لا يحبني. كان يجعلني أركض حول الملعب عشرين مرة. بينما أصدقائي على فرتين أو ثلاث فرات بالكثير. كان يخدعني. يوهمني بأن جمع الكور في نهاية الحصة التدريبية هو جزء مِن التدريبات ألتي ستجعلني المهاجم الأول لفريق الحُب. بينما أصدقائي يستمتعون في هذه الأثناء. يأخذون لهم دوش ساخن. ويتبادلون الصابونات والنكات الوسخة ويترددون كثيراً في الحديث عن العائلة المالكة.
7
أنا مارك فان باستن. اعتزلت مبكراً. بحجة الإصابة . وظللت ألعب في حواري الغرام. ملطخاً بالتراب وبالطين بين أناسٍ لا يقدرون موهبتي. آخر حذاء رياضي لبسته هو للصديق سعيد. سرقتهُ منه لكن بعلمه. هكذا لم يعطني الملاك الأيسر الدرجة الكاملة للسيئة كما يُفترض. آخر هدف أحرزته كان كوبري مهين على ستيفن. تسلل من بين أقدام قلبه. ثمّ أرتطم بعموده الفقري. من المفترض أن يكون موجه صوب القفص الصدري للفتاة ألتي لا أعرفها. لم يحسبه الحكم. لقد رفع حكم الراية شارته مدعياً بأنني تلفظت عليه بألفاظ نابية مثل: ياحكم يامِستكة. ياحكم يارِوش. ياحكم يامُوزّة.
8
أشعر الآن بأن اسمي مدحت. سأتأكد من بطاقة هويت .. . آه . تذكرت: لقد رهنتها قبل سفري. بعدما رفض جواد أن يشتريها مني بحجة مترهلة كبيرة تشبه كرشته. الأسهم: لون أحمر يتحكم بمقياس ضغطنا وجشعنا. الاكتتابات مثل الشكوى: مذلة. سأبيع 50% من حصتي في الجنة للمرأة ألتي أحب أو ألتي ستقبلني بضعفي الجنسي. سأبيع حصتي في الجنة لنزار أو ربما سأتنازل عنها لولده المصاب بالزملة البارانوية.
9
الأخضر مقياس الفرح المعترف به دولياً. أنا أكره اللون الأخضر و الأحمر. صالة الأسهم في البنك الفرنسي والسكيورتي الأهبل. الأخضر و الأحمر. كلمات زي: بيع و شراء. ارتفع. هبط. نزل. يالهووي. انخرب بيتنا. ياخراشي. صوت سيارة الإسعاف المتأخرة كعادتها يذكرني بمزاجي.
10
لا تضعي أهداف لكِ. عيشي كي تموتي. موتي كي تعيشي. أنا أخاف كلمة متسلل، وأخاف مِن سماع صوت الصافرة. أخاف غروب الشمس ومن سماع صوت الأذان. أنا ولد بلا هدف مكشوف. اكسري مصيدة التسلل حبة،حبة. لا شيء يأتي دفعة واحدة لذوي الحظ السيئ. نحنُ أصحاب الحظ العاثر. الحظ ألذي يأتي بطلعه الروح. يجب أن نستثمره فِي حظ مستقبلي. أفكر بتوفير الحظ المتبقي ليّ. مارأيكِ. سأضع حظي في محفظة استثمارية لمدة عام مثلاً. هكذا أضمن قدري في العام القادم. أراكِ بعد 12 شهر.

امرأة في بلادي.

Posted in + ياجرح المسيح . ياربّ الجرائم . by حليمْ on سبتمبر 30, 2011

وكأن المرأة في بلادنا : كائن شاذ. طائر معذب. مغترب. يسقط من شجرة إلى شجرة أخرى. يقررون ماهو مناسب له, بريش أو بدون, في أي قسم يصلح وعلى أي فرع يجب عليه أن يحط. هيّ الإله على أسرتهم, وهي الجارية الشيطانية خارج حدود الغرفة. تقدم الشاي والبسكويت والصلوم وتغسل الأطباق بحجة التساوي في الحياة. يلقونها في بركة السباحة من دون مايعلموها العوم, ويقولوا : هاه , غرقت, شفتوا! يسرقون ثيابها وشخصيتها واستقلاليتها وكيانها ومشاريعها, يطاردونها في المولات والأزقة والزنقات والمنافي ويقولون ديننا هذا أحسن الأديان, وتربيتنا ماعليها كلام,ومجتمعنا محافظ ومترابط, علمنا احترام المرأة ككيان قبل احترام دبرها كملاذ! يجعلون من عباءتها الضيقة مظلة واسعة يهبطون بها على أرض الأخلاق والعادات والتقاليد ويبررون بقطعة قماش سوداء شهواتهم المكبوتة وظروفهم الصعبة وأمراضهم النفسية وفضائلهم التكتيكية النادرة وحركاتهم الإصلاحية والتقدمية ومشاريعهم الخوزقية. والمضحك/ المبكي, أنهم ينتقمون لها: منها و بها! وكأن المرأة في بلادنا سجادة لقيطة, سائل فاتر, فالول, شامة, بهائية الرق والعبودية والعذاب. فهنا القاعدة الشهيرة ألتي تقول: أينما وجدت المرأة, تواجد الخراب. وكأنها الشيطان, عفريت دايس فار, هي القطار المتجه صوب شمال البغاء. شفتاها لنا, نهداها, رحمها, صوتها, تعليمها, حياتها, وكأن أول قواد في العالم : كان امرأة من بلادي, وكأن أول من اخترع التبغ: امرأة من بلادي, وكأن أول من داس على العنب : امرأة من بلادي, وكأن أول من اعترف بالشيوعية كقوة: امرأة من بلادي, وكأن أول من شوه مفهوم القيادة والمواطنة في بلادي : امرأة منه. يشيخ روحوا تلهو! يتلقون الطوب والظلط والبيض والطماطم والفقوس رغماً عنهم. فإذا رقصت – كذا بهامة, شطحة غبية- في مكان عام, صارت فضيحة دينية كبرى وأزمة مجتمعية عويصة, ظاهرة جديدة علينا, ومن الأحرى بنا ترك يدات السوني بلي ستيشن وحرق جميع أجزاء أمريكن فيرجن و أفلام البورنو , الذهاب للحج, أو العمرة إذا مرة مرة, والاستعداد لظهور المهدي أو الأعور الدجال أو مايكل جاكسون أو توباك! ومن واجباتنا المقدسة أن نحميهم .. من أنفسهم! فهم الضعفاء والمساكين ومنتوفي العقل والكمال, وعواطفهم تحركهم كمصاصي الدماء, وهذا يؤثر على جزئية اتخاد أي قرار حاسم. هل بدها فلافل أو بدها حمص أو بدها سم هاري! فهنَّ الأميرات / المد-لا-لا-ت أللواتي لا يُرد لهن طلب, إذا أرادوا قرص الشمس: أحضرناهُ في طبق. وإذا أرادوا بطاقات شحن, ابتعنا لهم على عجل. وكأن المرأة في بلادنا, كذبة سماوية, شماتة مقدسة, غنمة. لكن من نوع آخر. فمن يحرسها هو الذئب! لأسباب لا داعي لشرحها, فلربما في ذالك مفسده. لا تسرفوا في السؤال. فمن لا يملك عقله, يحق لغيره أن يستغله!

- بصاق.

Posted in + لم أفصح عن شيء بعد . by حليمْ on سبتمبر 27, 2011

5

منذُ الصباح.
وأنا أعاقر قبلاتكِ.
في اللا-وطن.

6

يتسيّد فمكِ
النهايات
كأيام القيامة
في كل الديانات.

7

يوم الحشر,
لسانكِ في فمي.

8

أعرفُ
بأنني أحبكِ
كلما ارتديت قمصاني بالمقلوب.

9

أضمكِ بوحشية.
كمقاتل شجاع
خائر ومذعور.

10

اللبن ..
ألذي في صدركِ
طفلنا, حفيدنا
وأنا بعكاز, آه
لو يتحقق هذا السفك!

11

لا تمحي الألم
استبدليه بألم أخف وطئه.

12

أنتِ ترثين الأرض
السماء ..
أنا لي الانزواء.

13

أحببتكِ ..
لأنكِ مزيج من ردود الأفعال النقية
لأن حبكِ يصب في مصلحة كل إنسان
ولأنني وبعد سنوات ..
لم أتمكّن من حماية نفسي بمجرد النسيان.

14

عزلة
وحشة
قحط
أكاد أصاب بلوثة عقلية!

15

سأعودُ إلى نفسي
أنا الولد ألذي لا ظهر لهُ
سوى الإحباط والمشاعر الغريبة.

16

لا تهربي من نفسكِ
لتسكنين بالإيجار في نفوس الآخرين!

17

للذاكرة
روائح كالمجزرة.
شيء ما
يقلقني!

18

الأرض
اللغة
الحرية
المنجل
الشعر
الانسان
.. والصمت!

19

باكراً ..
وقعتُ في الأحزان.

20

أحبكِ
أحبكِ, أحبكِ ..
قبل الحياة,
عبر الموت وبعد الوجود!

21

انتبهي لنفسكِ
من دهشتي بكِ.

22

مَنْ يُصِّدق؟
آنَّا ..

23

في دهشة الليل
- من دون فلسفة-
مَرَّ مِنْ أمامي
من يرحم الغرباء!

24

أنتِ بدوني ..
أزكي وأجمل.

25

رغم أنني كتبت
أحبكِ كثيراً
لكن أشجاني بكِ
لا تزال عاتية التكرار.

26

وأقولُ ..
لا تتبعونني أيها الغاوون
إلا بالسر !

1

أحبكِ.
لذالك أشعر بالاعتزاز والموهبة والقدرة. لا أحتمي منكِ خلف أعمدة النسيان ولا أختفي عبر ضباب التذكر. أكتبكِ مُثخناً بتراب العذاب ولا أبالي. أنا مواطن الدرجة الثانية في بلادي. أرفعُ صوتي مجاهراً بقهر عقيدتي ومرارة تاج الأشواك على جبين من يكرهون مبادئي. كم كنتُ عطوفاً لأكثر من أربع مرات في الماضي.

2

وهذا أنا,
وحيدٌ على عتبات خريف آخر بدونكِ. مضى الزمان. سلاماً سلاما أيتها الزهرة الإسمنتية. يا من تعجز الأيادي عن قطفها والأرجل عن الوصول إليها. أحضنُ الأرض والأشجار الهزيلة. تهب الرياح والغروب دامي, قلبي الساذج يحوم في أزقة الخيال المدنس بالضفائر. اليوم فقط, مضى الزمان ودهسني بصمت طاهر وطري.

3

يضطجع
الموج في بحركِ. يا صبية الحُب ألتي تجمع أصداف مرحي مكشوفة الرأس والغرور. من أجلكِ هذا العالم الشاسع. من أجلكِ الحجر. من أجلكِ الأمومة. من أجلكِ البشرية. من أجلكِ بيوت النحل. من أجلكِ الصراخ والنحيب. من أجلكِ هذه الدنيا البائسة. من أجلكِ الثورة. من أجلكِ نرى الموت أقل حتمية والأبدية أكثرُ رعبا.

4

وأقتلُ
الألم في المخيلة. مستعد لدخول سجون الشيطان على قدم واحدة. الحياة مقرفة. الصمت مقصلتهُ الأرق. الحُب سمكة ميتة. الأصدقاء قفاز نمسح به آثار عذاباتنا. في صفحة الموتى. اسمي. اسمك. اسمها. اضحك. ستموت في النهاية. لا يذكر الجسر إلا أسماء من قفزوا منه. في الجوار سريرين. حفرة واسعة. الفكرة هي أمي. قسوة أبي مصنوجه على قطعة معدنية. الخبّاز يمر خائفاً من أمام الحلاق. الكتب الدينية ثرثرة زائدة, ذكريات بلا مؤلف. اختصارها: الغناء. أفضل أنواع الكلاب. الحزن. مهما فعلت يا أيها الإنسان. سوف تتعذب في الجحيم. ستغدو صورة في الرف بجانب كتاب غير قابل للمقرأة. الجنة, ممزوجة بالشاي والتبغ الكوبي. مليئة بالحقائب .الثأر. تصرف كفزاعة. لا تشتري السعادة. ليس هنالك صالة استقبال كبار الضيوف. درجة أولى. سياحية. اللحظة التاريخية الوحيدة. لم تكن سقوط برجي التجارة العالمي. غزو الكويت. انتحار هتلر. إعدام صدام. سقوط بغداد. فقدان الأندلس. تحرير فلسطين. ربيع الثورات العربي. كما دائماً ما كنت تعتقد. في النهاية. لحظة موتك هي أكثر لحظة تاريخية ينتظرها الكل. أولهم أنا. ها ها ها !

- الخطة رقم : ب . .

Posted in + لم أفصح عن شيء بعد . by حليمْ on اغسطس 21, 2011

.
.

http://mano222.tumblr.com/

من باب تغيير الزنبرك .

- وبدها تشتي.

Posted in + آنا شاري هواكِ سنيورة . by حليمْ on يوليو 28, 2011

الغريبة آنا.

اليوم: هو الأربعاء, أخبارك؟ طيبة؟ زينة؟ ماشي الحال؟ أما أنا أشعر بأنني مطعون في كل خلية. تقتلني الأشياء ألتي ليست في متناول يدي. الدموع المالحة, التجارب, اكتشاف النفس وأنتِ, أيتها المرأة ألتي لا ريب فيها, ولا خير منها : أجرب أن أخترق الزمن لعلني أتخلص من هذه الحالة ألتي تجعلني ناقم على الجميع وعليكِ بالأخص, لقد أصبحتِ مملة!

تباً لملل الحزانى, يقف القبح أمامي, لم أعد ملفت للانتباه ولا مثير للتساؤلات, دون ريكلز, هذا العجوز اليهودي المضحك ألذي يشبه البطاطا المحمرة يقول لكريغ فيرغسن: العظماء دائماً ما يشعرون بالوحدة, أوه ما أعظمني يا صديقتي وما أعظم وحدتي!

اليوم: أشعر بأن كمية البؤس ألذي أحمله بداخلي يفوق قدرتكِ على التدخل لتخليصي ولو من جزء صغير منه. إنني يا آنا حين أدخل الغرفة, أحسها تتراجع للخلف. أتقدم لها بخطوات ثابتة, ينسحب النور, أطلُ من النافذة, يهرب البحر, أجلس على مكتبي, يتسخ الكتاب ألذي أنوي فتحهُ, أرتمي على السرير, تنحرف الوسادة فيرتطم رأسي بالخشب. أمد بيدي لداخل سروالي فيرن هاتفي, ماهذا السرك السخيف!

اليوم: جلستُ أعد النقود ألتي في المحفظة, فصهلت ضاحكاً بعمق لأنني لا أدري هل أنا مفلس عاطفياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو دينياً أو روحانياً أو جنسياً أو فلسفياً أو أدبياً أو بطيخياً فقط أم أن هنالك المزيد من التراكمات؟ وهل يكفي بأن يكون بيننا بضع مكالمات عشوائية شهرية, والقليل من الرسائل الدورية السنوية مقابل هذا الكم الهائل من الحُب الخاص جداً ألذي أشعر بهِ نحوكِ؟

أحياناً: يقتلني برزخ يقينكِ وأصدق بأن المجد للأشياء القصيرة الغير مكتملة, للتفاصيل القابعة في المدة الزمنية الصغيرة ألتي بين الفجر وبين الصباح, للذاكرة المثقوبة ألتي يقذفها الشرود بحجارة النسيان, للضمير ألذي يرن كهاتف المحظيات ولا من مجيب, للمشاعر ألتي تخرج من جب العقل لتشتبك بفرات النبض وتغرق في محيطات الروح, كان هذا درسكِ الأول يوم أعطيتني ظهركِ كباقي أمنياتي!

اليوم: كأنني أسمع ريقكِ يتحرك في فمي كالأمس, وأشمُ عطركِ بعد سنتين على كل ياقات قمصاني, وأراقبكِ من السيارة وأنتِ تخرجين من منزلكِ بفستان فضفاض يفضح صدركِ بشكل طفيف, ولا أبالي لو أنني عشتُ حب كبير لعمر قصير أو عمر طويل لحب قصير, ولا أبالي بمعرفة إن كنتُ رجل صغير أم طفل كبير, ولا أبالي بالذينّ يقولون بأن الملائكة في مكان, فأنتِ كُنتِ معي وحدي, لازلتِ معي وحدي, وستكونين دائماً لي وحدي!

دائماً ما ظل كلامي عابثاً لأنهُ في الغالب يحمل الكثير من الأسرار والشفرات. هو لا يعني شيئاً على كل حال. أدركتُ على الرغم من أن الكتابة هي فعل معاد ومكرر إلا أن الكاتب لا يفقد عذريته أبداً, بطريقة ما, لا أدري كيف أشرح لكِ, هي التفاصيل ياصديقتي, فأنتِ أنتِ, امرأة تضحك وتتسوق وتلد وتحب وتكره وتقسو وتطبخ وتزق وتطقع! وأنا لا أعرف الكثير عن الكتابة ولا عن اللباقة ولستُ بكاتب ولستُ نبيلا, لكنني أعرف بأنكِ كنتِ تطوين جراحي وأوجاعي وأفراحي وتسافرين بي لمنحنيات شيقة لم أكن لأعرفها مع امرأة أخرى. وأنا أحب ذالك ولا أعرف طريقة أخرى لأعبر لكِ فيها عن ما شعرت به ونحنُ سوياً إلا هكذا. لماذا؟

اليوم: لا رغبة عندي بالتنبؤ. فلتستقر الرصاصة في صدغي. فليصيبني السرطان. فلتسقط لمبة الكورنيش فوق رأسي. فليبلعني حوت, ينقرني صقر, ينهشني كلب فقدكِ المسعور, لم أعد أرغب بتخيل سيناريوهات مختلفة. فأنتِ ببساطة قد كسرتِ قلبي بحق, هل تعتقدين بأن هنالك ما هو أقسى من أن يعيش المرء بقلب مكسور؟ هكذا فقدت عذريتي!

مُش مهم ..

ألم أخبركِ بأنني أذهب كل يوم تقريباً مع بعض الأصدقاء إلى مكان يسمى بقهوة الغراب؟ هي قهوة شعبية قديمة على ناصية طريق شعبي. يعلق صاحبها مقالة صغيرة عابرة عنوانها: لذة باتساع الرصيف! لا أجد وصف أوضح و أزبط من هذا. سأكتفي به.

ما أضيق هذا المكان جغرافياً, وما أقدمه تاريخاً, وما أغرب البشرية ألتي ترتاده. فعلى الرغم من الألم الرهيب ألذي يصيب ظهورنا ومؤخراتنا بعد وقوفنا قبل خروجنا إلا أنني استمتع بالآخرين فيه عندما يتكلمون عن أنفسهم, عندما يحاولون أن يخفوا جدران حياتهم المتصدعة بالكذب والنفاق والتفاؤل والسطحية, يمررون جراحهم بطريقة مدهشة, وهزائمهم بنصر ممتع, يمررون أشيائهم المزيفة وأخبارهم المزورة بصدق, إنها لعبة خطيرة أدخلها كل صباح من دون سبب معين. إنني أدرك بأنهم لا يشعرون بالهوامش الإضافية ألتي يرتجلونها فهذا يلهمني ولا يهمني, لا يهمني طالما ثرثرتهم وحكايتهم مليئة بالمتعة والحكمة, ممسوحة بتعب العقود, منهوشة بهموم الماضي الجميل.

إنهم يركضون كالأحصنة في مجتمع مغلق ووطن بليد.

سأخبركِ عنهم أكثر بالتفصيل في رسائلي القادمة وبالذات عن الرجل ألذي يكاد يصدق بأنني ولدت بداخل الكعبة!

إلى اللقاء .

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 25 other followers